<<  <   >  >>

ثانيًا: أدلة من لم يقل بدرء الحد بالشبهة

ذهب فقهاء الظاهرية إلى إنكار مشروعية درء الحدود بالشبهات، وردوا ما جاء في ذلك ما آثار، وطعنوا في كل ما ما روي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تقرير ذلك، وعابوا على جمهور الفقهاء أعمالهم لهذه القاعدة.

يقول ابن حزم: وأما درء الحدود بالشبهات، فما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قط من طريق فيها خير، ولا نعلمه أيضًا جاء عنه عليه السلام لا مسندًا، ولا مرسلًا، وإنما هو قول روي عن ابن مسعود وعمر1.

ويقول: ذهب قوم إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأشدهم قولا بها واستعمالًا لها، أبو حنيفة وأصحابه ثم المالكيون، ثم الشافعيون، وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة، وإنما هو الحق لله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم": "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام"، وإذا ثبت الحد لم يحل أن تدرأ بشبهة لقول الله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} 2.

ثم قال: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في اللفظ الذي يتعلق به من تعلق أيصح أم لا؟ فنظرنا فيه، فوجدناه قد جاء من طريق ليس فيها عن النبي -صلى الله عليه وسلم نص، ولا كلمة، وإنما هي عن بعض أصحابه من طرق كلها لا خير فيها3.

هذا طرف من مقالة ابن حزم في رده لقاعدة درء الحدود بالشبهات


1 المحلى لابن حزم ج9 ص126 ط مكتبة الجمهورية العربية الحديث المرسل هو، ما انقطع إسناده على أوجه، وهو نوعان:
1 مرسل الصحابي: وهو ما يرويه صحابي عن صحابي.
2 مرسال التابعي وهو: الحديث الذي أخبر به التابعي.
2 الآية 229 من سورة البقرة.
3 المحلى لابن حزم ج13 ص61.

<<  <   >  >>