فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ومن المعروف كذلك أن الصحابة كانوا يعولون في حفظ الحديث على الاستظهار في الصدور، لا على الكتابة في السطور لانضرافهم إلى تلقي القرآن الكريم، وانشغالهم بجمعه وكتابته، والخوف من التباس السنة بالقرآن إذا كتب الحديث، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في باديء الأمر عن كتابة الحديث، وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فيلمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وشطره الأخير في البخاري.

وهذا الحديث هو الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن كتابة السنة، وقال النووي في شرحه، قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم - ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف.

واختلفوا في المراد بهذا الوارد في النهي:

فقيل: "هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاة" وحديث صحيفة على رضي الله عنه، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث.

وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.

وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القاريء في صحيفة واحدة.

وحين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثير، وأمن اختلاطه بسواه، أذن رسول الله

<<  <   >  >>