<<  <   >  >>

المعاني، أنكروا أن يكون الله سبحانه وتعالى متكلما، وقالوا: إن الله يخلق الكلام كما يخلق كل شيء، فكانت دعواهم أن القرآن مخلوق لله، واشتد خوض المعتزلة في ذلك، حتى جاء المأمون واتخذ حاشية منهم، وقربهم حيث كان تلميذا لأبي الهذيل من رؤوس المعتزلة.

وقد طلب المأمون من نائبه في بغداد "إسحاق بن إبراهيم" استدعاء الفقهاء والمحدثين ليحملهم على أن يقولوا إن القرآن مخلوق، فأحضرهم ومنهم أحمد بن حنبل، وأنذرهم بالعقوبة الشديدة ولكن الله ربط على قلوب قلة منهم، آثروا الباقية على الفانية، فأصروا على موقفهم وإبائهم، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، الذي ظل صابرا حتى النهاية، يكبل بالحديد ويحبس ويؤذى حتى مات المأمون ولكن موته لم ينه المحنة بل ابتدأت في دور أقسى وأشد لأنه أوصى أخاه المعتصم بهذه المقالة من بعده، فسيق أحمد مصفدا إليه، بعد أن ولى الخلافة، وضرب بالسياط المرة بعد المرة، إلى أن يغمى عليه، واستمر حبسه نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، ثم أطلق سراحه، وعاد إلى بيته وقد أثخنته الجراح، ولما استجم مما ألم به واصل درسه بالمسجد حتى مات المعتصم، وجاء الواثق، فأشار عليه "أحمد ابن أبي دؤاد" زعيم القول بخلق القرآن حينئذ الذي كان يسمى أمثال أحمد حشو الأمة، بألا يضرب أحمد كما فعل المعتصم، لأن هذا زاده منزلة عند الناس، وأن يكتفي بمنعه من الاجتماع والخروج للدرس، فانقطع أحمد عند الدراسة مدة تزيد عن خمس سنوات إلى أن مات الواثق سنة 232هـ "اثنتين وثلاثين ومائتين"، ثم عاد إلى الدرس مكرما عزيزا.

وكان أحمد يرفض عطاء الخلفاء، عرض عليه المتوكل مالا كثيرا بعد انتهاء محنته، وألح في العرض فأصر أحمد على الامتناع، وأن أكره على أخذ شيء فإنه كان يوزعه على الفقراء والمحتاجين، ورضي أحمد طوال حياته بعيشة الكفاف زاهدا تقيا.

<<  <   >  >>