تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

لقد كانت أخطر تجليات العلمانية في بلادنا الإسلامية هي فصل السياسة عن الدين، وكان أخطر تطبيقات ذلك الفصل هو عزل أصحاب الديانة والعلم والعدل عن مجريات الأمور، استبعادًا عن مواطن القرار، أو استعبادًا في أغلال المناصب والرسميات والانتماءات الحزبية والنظامية، وبإشغالهم في معامع المسائل الشكلية بمساربها الفرعية، حتى تخلو الساحة للئام الساسة وحدهم كي يحلوا ويعقدوا، ويبرموا وينقضوا في أمور الأمة كما يشتهون، لا بل كما يشتهي أعداء الأمة من كل صنف ولون.

وقد نجح الساسة ـ بكل أسف ـ في حصر الولاية "الشرعية" في ولاياتهم "السياسية" دون اكتراث بأهل العلم الذين يمثلون الولاية الأصلية، وهي "الولاية العلمية"، حتى لم يعد الناس يعرفون إلا ولاية "الأمراء"من الساسة على اختلاف مسمياتهم، دون ولاية العلماء مهما كانت منزلتهم، مع أن الولاية العلمية هي الأصل الذي لا تعرف للولاية السياسية مشروعية في الإسلام إلا بها، ولا يجب السمع والطاعة إلا بإقرارها، وذلك بمقتضى قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، مع قوله {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، حيث ربطت الآية الولاية بالقدرة على استنباط العلم، وهذا لا يكون إلا بسبق ولاية العلماء، التي هي الأصل قبل ولاية الأمراء، والتي تمدها بالمشروعية أو تحجبها عنها كليًّا أو جزئيًّا.

لقد كان هذا الضبط الشرعي لتسيير أمور المسلمين وفق سياسة شرعية؛ هدفًا يتربص به كل أعداء الملة، لينفك هذا الترابط، ويخرج ولاة الأمر العلميون من دائرة الفعل التي يحتكرها السياسيون، وكان هذا هو جوهر تطبيق العلمانية، التي بدأت بعزل العلماء، إلى أن انتهت إلى عزل الشريعة نفسها، بتأجيلها أو تغييرها أو تبعيضها أو تبديلها.

وكان من نتائج هذا الوضع الشاذ أن أصبح كلام العلماء في شئون السياسة يُنظر إليه على أنه تطفل غير مقبول، ربما يقود إلى تصرف غير مسئول! وقد ساعد على استقرار ذلك المفهوم ـ غير المفهوم ـ ترك أكثر أصحاب الولاية العلمية الأصلية مهمات الحل والعقد لأهل الأهواء طوعًا، حتى قبل أن يرغموا عليها قسرًا!

وكان من نتائج ذلك أيضًا ـ أعني تفرد الساسة على علمانيتهم بالحل والعقد في شئون المسلمين، دون أهل العلم والدين ـ أن استقرت أوضاع أكثر شذوذًا ونشوزًا، حتى كاد فصل السياسة عن الدين يبدو في نظر عوام الناس وكأنه من قواعد العقيدة وأصول الدين، بل سمعنا من بعض أدعياء العلم، بل بعض المتسمين بالسلفية، أن تلك الأوضاع المنكرة هي من صلب العقيدة السلفية السنية المقررة، هذه العقيدة التي آلت على يد بعضهم إلى ما تدعو له قولة الإنجيل المحرف: (دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله)!!

حيث جرى تسويق عزل العلم الشرعي عن الفعل السياسي بدعوات من البدع المعاصرة، التي كادت تجعل العلاقة بين السلفية والعلمانية شبه مباشرة، مرة باسم تنزيه الدين عن لوثات الساسة وتلوث السياسة، ومرة باسم تفويض كل الأمر إلى ولاة الأمر، ومرة باسم عدم جواز إسداء النصيحة بصيغة علنية صريحة، ومرة باسم تحريم الخروج "اللفظي"أسوة بالخروج العملي، ومرات ومرات في أصناف من "القواعد"المحدثة، التي تتلفع باسم السلفية لتكتسي مسوحًا علمية، مع أنها مجرد مسوغات تخاذل وتنازل، وقلة أمانة علمية قد تقود إلى خيانات، خاصةً عندما يكون أصحابها في غاية "الشجاعة"ضد المستضعفين الموحدين، وفي غاية الخور والضعف مع الطواغيت المنافقين.

وقد جرَّأت تلك الشجاعة الجبانة مسوخ العلمانيين على زيادة استهانتهم بكل أهل الدين؛ فصاروا يتحدثون وكأنهم غير موجودين، بل صارت أصول الدين عرضة للتحويرات والحوارات والتغييرات، بحسب "ظروف"كل نظام واجتهاد كل "إمام"!

حتى سمعنا ـ في قضية فلسطين فقط ـ عن "فتاوى" علمانية ساقطة، صدرت عن شخصيات ساخطة على كل طرح موصول بقال الله أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد سمعنا ـ حتى بعد إحراق غزة ـ من يتحدث عن ضرورة "إحراج" "إسرائيل" بالعودة الفورية إلى عملية السلام!!

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير