تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

بل سيجد الإنسان نفسه وبيده كتابه يقرؤه بنفسه، كما قال تعالى: [اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً] (الإسراء: 14).

ومحاسبة النفس تكون قبل العمل، كما قال الحسن البصري: «رحم الله عبداً وقف عند همِّه؛ فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغيره تأخَّر» [27].

وتكون أثناءه، باستحضار شرع الله ومراقبته في السر والعلن.

وتكون بعده باستحضار قوله تعالى: [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ] (الحجر: 92) وقوله: [لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ] (الأحزاب: 8).

قال أحد السلف: «فإذا سأل الله الصادقين فما بالك بالكاذبين؟».

3 - تنمية الصفات الطيبة: وذلك حتى يكون لها الغلبة؛ ذلك مثل: صفات الحلم والكرم والتواضع والشكر، ولا يكفي في ذلك قراءة كتاب أو حفظ نصوص، لكن تحصيلها لا بدَّ له من مجاهدة وتمرُّن وتدريب؛ فمثلاً من أراد أن يكون حليماً؛ فهذا ينبغي له أن يقوِّي إيمانه ويزيد في صبره ويكظم غيظه ويملك نفسه في مواقف الغضب، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الحلم بالتحلُّم» [28].

وقد أثنى الله جلَّ وعلا على الكاظمين الغيظ فقال جلَّ مِنْ قائلٍ: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ] (آل عمران: 133 - 134).

فالحديث عن المتقين هنا هو حديث عن صفة مهمة من صفاتهم، وهي كظم الغيظ، وهو أحد أهم الوسائل المعينة على ضبط النفس.

قال القرطبي في معناه: «كظم الغيظ ردُّه في الجوف» [29].

ويُقال: كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه.

فكظم الغيظ هو منعه من أن يقع [30].

ومن خلال ما ذكر نستطيع القول بأن ضبط النفس في مثل هذه الحالة، يكون بمنعها من التصرف خطأ في المواقف الطارئة والمفاجئة التي تتطلب قدراً من الشجاعة والحكمة وحسن التصرف.

وقد وردت أحاديث كثيرة عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيها بيان فضل كظم الغيظ ومن ثَم ضبط النفس، منها: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من جرعة أعظم عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» [31].

وبإيجاز، فضبط النفس يقتضي من المسلم أن يتجاوز مرحلة البناء التي يجب ألَّا تتوقف باعتبار استمرارها إلى آخر رَمَقٍ من عُمْر الإنسان لقوله تعالى: [وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ] (الحجر: 99).

ليصلَ بالنفس إلى مرحلة الإعراب.

فأن يصبح المرء معرَباً، هذا هو المطلوب، فهو كالكلمة، المعرب منها له في موقع الفاعل الرفع، وفي موقع المفعول به النصب، وأحياناً تجرّ إذا سبقت بحرف صغير من حروف الجر، أما المبني فقد تجاهله النحاة من قبلُ، ولم يعيروه من الاهتمام كما فعلوا مع المعرَب، لأنه ثابت لا يتغير، كما أنه لا يتفاعل مع ما حوله من جمل وكلمات تفاعل المعرب.

فيجب على الإنسان أن يبادر (الفاعل) ليرفع سهمه عند الله، بحسن عمله في المجتمع بإبداعاته وإنجازاته؛ فالمؤمن كالغيث النافع أينما وقع نفع، وكل همِّه أن يسود الخير، وتنتشر المحبة، ويشارك في صناعة الحياة، همُّه أن يصبح راحلة يعين في رفع الأثقال عن أمته، وليس فقط واحداً يريد أن يحمل، وقد ورد في الحديث الصحيح: «الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة» [32].

فليحرص الإنسان على أن يكون راحلة ينفع نفسه وينفع أمته.


(*) أستاذ الفقه المقارن والتفسير بجامعة شعيب الدكالي كلية الآداب الجديدة المغرب.
(1) لسان العرب، مادة: ضبط.
(2) سنن الترمذي: 4/ 659/2499، وحسنه الألباني، وسنن ابن ماجه: 2/ 1420/4251، ومسند أحمد: 3/ 198/13072.
(3) صحيح مسلم: 4/ 2105/2748، وسنن الترمذي: 5/ 548/3539، ومسند أحمد: 5/ 413 /23562.
(4) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي: 1/ 299.
(5) الفوائد لابن القيم.
(6) صحيح مسلم، رقم: 7308.
¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير