تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فالموازنة عنده تمثل مستوى الجودة، وهي معيار المفاضلة بين شاعرين، اتفق النقاد على أن كليهما جيد، وإن اختلفوا على درجة الجودة عند أيهما يقول الآمدي:"ووجدت - أطال الله بقاك - أكثر من شاهدته ورأيته من رواة أشعار المتأخرين، يزعمون أن شعر أبي تمام: حبيب بن أوس الطائي لا يتعلق بجيده جيد أمثاله، ورديه مطرحٌ مرذول؛ فلهذا كان مختلفاً لا يتشابه، وأن شعر الوليد بن عبيد البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، وليس فيه سفسافٌ ولا ردي ولا مطروح، ولهذا صار مستوياً يشبه بعضه بعضاً" ([1] ( http://www.alfaseeh.com/vb/#_ftn1))، وهو في هذه المفاضلة يلجأ إلى منهج نقدي سبق استخدامه عند الجمحي هو تطبيق معياري الكثرة والجودة في الحكم على أيهما الأفضل فيقول:"ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة شعريهما وكثرة جيدهما وبدائعهما، ولم يتفقوا على أيهما أشعر؟ كما لم يتفقوا على أحدٍ ممن وقع التفضيل بينهم من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، وذلك لميل من فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المأتي، وانكشاف المعاني، وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة" ([2] ( http://www.alfaseeh.com/vb/#_ftn2))

ومن هنا فالجودة عند الآمدي قسمان جيد وأجود، مثلها في هذا مثل تقسيم الجيد من النصوص عند ابن طباطبا، ذلك أن أبا تمام والبحتري كلاهما جيد في الشعر، ولكن الآمدي يفصل بين شعريهما ونوع الجمهور الذي يستهويه شعر كل منهما فيقول:"وميل من فضل أبا تمامٍٍ، ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام. وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، وذهب إلى المساواة بينهما وإنهما لمختلفان" ([3] ( http://www.alfaseeh.com/vb/#_ftn3))، وهو في هذا يفضل البحتري باعتباره النموذج الأفضل منذ اللحظة الأولى في هذا الكتاب و ذلك من وجهة نظره"لأن البحتري أعرابي الشعر، مطبوعٌ، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام؛ فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور وأبي يعقوب المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى" ([4] ( http://www.alfaseeh.com/vb/#_ftn4)).

وهنا نقف لأول مرة في مجال النقد الأدبي أمام مصطلح جديد تماما يظهر عند الآمدي وهو (عمود الشعر) ويخص الآمدي البحتري به، وهو مصطلح وإن كان جديدا يستعمل لأول مرة فإنه قد ظهر ما يحمل المعنى نفسه عند ابن قتيبة عندما قال:" وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزلٍ عامر، أو يبكى عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي. أو يرحل على حمارٍ أو بغلٍ ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة" ([5] ( http://www.alfaseeh.com/vb/#_ftn5))، فقد تحدث ابن قتيبة عن ضرورة التزام الشاعر باتباع تقاليد القصيدة العربية عند قولهم الشعر لكنه لم يفرق بين القديم والمحدث في الموهبة الشعرية والقدرة على الإجادة فيه. كما استخدمه ابن طباطبا عند حديثه عن الأدوات التي يجب أن يتمتع بها الشاعر قبل قول الشعر.

فعمود الشعر الذي ذكره الآمدي يمثله البحتري من وجهة نظره، وهذا المصطلح (عمود الشعر) أخذه الآمدي من (البحتري)، واعتمده في موازنته كما قال الآمدي نفسه"والذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني - وكان صديق البحتري - أنه قال: سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام، فقال: هو أغوص على المعاني مني وأنا أقوم بعمود الشعر منه وهذا هو الذي يعرفه الشاميون، دون غيره" ([6] ( http://www.alfaseeh.com/vb/#_ftn6)) لأن له صفات خاصة لا تنطبق إلا عليه وحده، ومن هنا فمفهوم الشعر الأفضل عنده يمثله البحتري في شعره فيقول الآمدي عن صفات هذا العمود:"وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير