تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[مقولة الأصمعي (طريق الشعر)]

ـ[أأحلام]ــــــــ[15 - 11 - 2010, 10:52 م]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله ?

، أما بعد:

فقد قال الأصمعي في: (طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لانَ، ألا ترى حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي النبي صلى الله عليه وسلم وحمزة وجعفر رضوان الله عليهم وغيرهم لان شعره،وطريق الشعر هو طريق الفحول مثل امرئ القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب والنساء وصفة الخمر والخيل والحروب والافتخار فإذا أدخلته في باب الخير لانَ).

ولعل الصدى الذي حظيت به هذه المقولة بسبب قائلها الأصمعي، جامع الأخبار و الأشعار و النوادر، حيث جاب البوادي وأخذ عن الأعراب، فتكونت لديه ملكة لغوية وحسا ناقدا.

فسوء الفهم لمقولة الأصمعي فتحت أبوابا عديدة للتأويلات،و حملت المقولة معان لاتحتملها، لأن الناظر المتفحص للعصر الإسلامي وظروفه يدحض تلك الآراء الشاذة وينبذها.

وإذا أمعنا النظر في المقولة يظهر لنا عدد من التساؤلات،فهل باب الخير الذي يعنيه الرثاء فقط؟ هل مقصوده باللين الضعف الفني؟،و هل مقارنته الرثاء بالفخر و المديح والهجاء منطقية؟

فالرثاء فن عرفه العرب وتغنوا به، في رثاء أبطالهم وأحبائهم، وذكر خصالهم،وحميد صفاتهم، وقد كانت الخنساء من أهم الذين قالوا في هذا الغرض في الجاهلية بل ولم يقل أحد بضعف ولين شعرها فنيا،بل إنها جمعت بين الإبداع و جودة الشعر،وعدها محمد بن سلام الجمحي الثانية بين أصحاب المراثي بعد متمم بن نويرة وطبقة هؤلاء تلي في تصنيفه الطبقات العشر الأولى (1)، بل إن النابغة كاد يفضلها عندما قال لها لولا أن أبا بصير أنشدني لقلت: أنك أشعر الناس. (2)

ذكر الجاحظ: (أنه قيل لإعرابي: ما بال المراثي أجود أشعاركم؟ قال: لأنا نقول وأكبادنا تحترق) (3) فالمرثية لينة في ألفاظها رقيقة في مشاعرها، تنزف أسى وحزنا،وجوّها رقيق، يفيض بالمشاعر الجياشة،وهذا هو ما يقتضيه مقامها. ولم يقل نقاد ذلك العصر بضعف شعر الخنساء من ناحية الألفاظ و التراكيب و المعاني، والجودة وحسن السبك. إذن فالإكثار من الرثاء لايعني شعرا لينا في مستواه الفني.بقدر ما هو لين في رقة الشعور وشفافيته في التعبير عن تلك العواطف الجياشة.

أما الأغراض الأخرى كالفخر و المديح والهجاء فكانت طبيعة الحياة الجاهلية قائمة على الصراع وسيطرة مبدأ القوة وكثرة الحروب وخوف الإنسان من المفاجآت الناتجة عن الغارات المباغتة، و الرغبة المتجددة في إثبات الذات، ذات الفرد وذات الجماعة، وحث المجتمع المستمر أبناءه لإثبات تفوقهم، فرسانا وشعراء وشجعانا، وأجوادا، فانبرت الألسنة في الفخر بالقبيلة و وبالأنساب، وبالانتصارات في المعارك،وأخذوا في وصف فروسيتهم، وخيولهم، وشجاعتهم وإقدامهم في ساحات الوغى، وجلدهم في الكر و الفر وعفتهم عن المغانم،وصبرهم عند وقوفهم على الأطلال، وتجلدهم عند تذكرهم للأحبة في تلك الحياة المضطربة.

ولم تكن وسيلة الدفاع عن النفس وعن القبيلة، ودرء المخاطر عنها مقتصرة على سيوف الشجعان،ورماح الأبطال، بل للشعر صولات وجولات، عرفها العرب، وتباروا فيها، فكان الشعر ديوانهم الذي ملؤه بتفاصيل فخرهم ووصفهم وغزلهم وهجائهم وتسجيل مآثرهم، يقول الدكتور طه أحمد إبراهيم: (وكأن الشعر في رأي الأصمعي صدى للحياة الاجتماعية، والحياة الاجتماعية قبل الإسلام كانت نكدة، كانت ملأى بالمنازعات و المفاخرات العصبية و الحروب، وكل تلك دوافع للشعر، وكل تلك تحث عليه، وتزيده حماسة وقوة والتهابا) (4)

فهذه المقامات تقتضي قوة الألفاظ وجزالتها بما يتناسب والحماس الذي يصاحب الشاعر عند فخره أو مدحه،فالشاعر ابن بيئته،ومن الطبيعي أن يكون أدبه متأثرا بتلك البيئة. فكانت تلك الظروف تحمل الشعراء على المبالغات الكاذبة و المهاترات التي تخرج عن حدود المعقول في الشعر، كقول عمرو ابن كلثوم في معلقته:

إذا بلغ الفطام لنا رضيع تخر له الجبابر ساجدينا (5)

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير