تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

نقلنا الشاعر إلى المقطع الثاني من خلال (لكنّ) ليشعرنا أنّ هناك مفارقة قائمة في القصيدة، جيكور أشجارها ليست خضراء في جميع الأزمان،فهي بلد ريفي، يعمل أهلها في الزراعة و تربية الأبقار، فمظاهر الترف لا تعرف

طريقها إلى جيكور، و من هنا يقول الشاعر:

و تغرب الشمس كأنّ السماء

حقل يمصّ الماء

. . . .

يجرحن قلبي فيستنزفن منه النور

استخدم الشاعر لفظ الغروب في وصف جيكور و لم يستخدم الشروق، لأنّ الشروق نور، و الغروب ظلام، و جيكور من حيث المعاناة تعاني ما تعانيه المدينة، لذا فقوة منعت المطر (الخير) عن جيكور، فاقحامه لصورة الحقل بهذا الكم الهائل من الجمل الاسميّة الإخباريّة ليضمنها سماء جيكور عند غروب الشمس يدلّ على مهارة الشاعر باستخدام البنيتين الدلالية و التركيبية. و من هنا، فهذه القوّة تنفذ إلى قلب الشاعر و تنزف منه النور، بعد أن كان هو الوحيد من يشعر بذلك النور، متأملا من أن يكون ذلك حافلاً عند الأطفال:

و تخفق الأجنحه

في عالم الاطفال، في عالم للنوم

ثمّ ينتقل الشاعر إلى لوحة جديدة، مستفيداً من أسطورة أدونيس، فهو يظهر في الربيع و الشتاء، و يختفي في الصيف و الخريف في عالم الموتى، فلا يظهر بجسده و روحه، بل بروحه فقط.فقد رافق غروب الشمس هذه المرة هطول المطر، و لكنّه مطر يتفق و طبيعة الغروب، ظل و صمت، يتبعه غيوم (هي القوة) فلا تدع لنور القمر من أن ينشر خيره في الدرب، فسارعت إلى مسحه، و سرقة الزّهر، لذا قال:

بالدرب مبيضا بنور القمر

تكاد أن تمسحه

تسرق منه الزهر

فهذه النهاية التشاؤمية تبيّنها لفظتي (تكاد و تسرق)، و لعلّ الشاعر في لجوئه إلى الزهر بدلا من الزهور سرعة في التخلص من الضيق و الألم.

ندخل إلى المفارقة من خلال الجملة الاعتراضية، يقول:

غاف على جيكور

و الليل في جيكور

تهمس في النجوم

أنغامها، تولد فيه الزهور

و تخفق الأجنحه

في عالم الأطفال،في عالم للنوم

الرسم السابق يوضّح أنّ الليل في المدينة لا ينام بينما في جيكور فهو هادئ تهمس فيه النجوم أنغامها، و تولد فيه الزهور ن و هناك أمل في هؤلاء الأطفال على النقيض، تماما، من المدينة. و النور الذي و ظّفها الشاعر خير توظيف، ينتقل عبر دلالات ثلاث،فهو في المدينة لا يوجد له أصل، يلجئون إليه و لا يستطيعون (يطلع من أحداقه فجره) لذا استعاض عن الفجر بالنور. بيد أنّ الشاعر في قلبه نور (استشراف المستقبل) و لكن سرعان ما تتدخل تلك القوة، و تخله من قلب الشاعر، ثمّ نجد أنّ النور في المقطع الثالث في جيكور نور القمر، لكنّ تلك القوّة (الغيوم) مرة أخرى، لا تريد لجيكور كما لمدينة الخير فتمسحه و تسرق منه الزهر.

و خلاصة الأمر أنّ الشاعر يخبرنا أنّ العراق بأكملها، مدنه و أريافه، يعاني من حكم يجعله يغطّ في سبات عميق، حكم لا يريد للعراق الخير، لذا يطلب من العراقيين أن يلتفتوا إلى بلدهم، و أن يكون النور في قلوبكم جميعاً، لا تجعلوا الظلام يسطر على قلوبكم، و كأنّ الشاعر يائس من الطلب، فينهي قصيدته بالخيبة، إلّا أنّ جيكور تبقى أحسن حالاً من المدينة. قصيدة تحكمها لغة جيدة، و تركيب جيد، لا يخلو من جماليّة تلوين الدلالة و الصوت، و يقحم – كعادة الشاعر – الأساطير، و يجعل الصور الشعريّة تعبّر.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير