تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ينقلنا السيّاب إلى المقطع الثاني بلفظة " لكنّ في جيكور "الدالّة على الاستدراك، و حتى لا ينظر المتلقي إلى المقطع الثاني و الثالث بمعزل عن الأول عندئذ لا مقارنة. و يوازن الشاعر في هذا المقطع بين الجملتين الفعلية و الاسمية، لأنّه تارة يلجأ إلى الوصف {أزهاره .. ، ناحلة .. ، أنغامه .. ، كأنّ فيه مدى} و تارة إلى الإخبار {و تغرب الشمس ... ، و يستنزفن .. }. و الشاعر في استخدامه للأفعال المضارعة يدلّ عل شعور بالضيق و الضغط، إذ يقول " حقل يمصّ الماء " بما فيه من تضعيف يدل على المبالغة في الشعور، و كذلك الأمر في قوله: " يجرحن قلبي فيستنزفن منه النور "، فقد برع الشاعر أيّما براعة في استخدامه لهذه الأفعال خاصّة أنّها تدل على أنّ هذا الأمر يقع في الوقت الحالي، لذا لجأ إلى الفعل المضارع. و ممّا يلفت الانتباه أنّ الشاعر و فّق في استخدام الأدوات لا سيّما توالي أدوات التشبيه {كما، كانّ، كـ، كأن} على الترتيب التدرّجي لتخلق جوّاً كثيفاًً من الصور يوضّح مقصد الشاعر دون اللجوء إلى التصريح، و لا شكّ أنّه أبلغ. و في إطار حديثنا عن الأدوات يقول السيّاب " يجرحن قلبي فيستنزفن منه النور"يصوّر إلينا أنّ الجرح يتبعه الاستنزاف (لاحظ، أنّه استخدام {يستـ} ممّا يدل على استمرار النزيف) دون مهلة أو تراخ ٍ ممّا ينعش المشهد الدراميّ من خلال تلاعبه بالأدوات إذ عدل عن (ثمّ) إلى (فـ). كلّ ذلك يوضّح لنا أنّ الشاعر أحسَن استخدام الأدوات حتّى إنّه يلجأ إلى أقوى أنواع الربط بين الجمل، و هو ما كان دون أداة ربط، " و تغرب الشمس [و] كأنّ السماء "، أي أنّ السماء كحقل يمصّ الماء/ عند غروب الشمس/.

إنّ الشاعر استطاع أن ينقلنا إلى المقطع الثالث من خلال البنية التركيبيّة، مرّة أخرى، تلك البنية المعتمدة بشكل كبيرٍ - كما قلنا – على البنيّة الدِلاليّة، و هنا يكرر " و تغرب الشمس " مرّة ثانيّة، فينقلنا دلاليّاً إلى مقطعٍ جديد من خلال إضافة الظرف " ... و هذا المساء ". و يعتمد الشاعر في هذا المقطع على الجملة الفعليّة أكثر من غيره من المقاطع، و كأنّه يلجأ إلى الإخبار أكثر من لجوئه إلى الوصف، هذا ما سنعرفه فيما بعد. و يأتي بجملة معترضة {أمطر ظلاً، نثّ صمتاً – مساء ... في أعين الأطفال، في عالم للنوم – مرّت غيوم} لا محلّ لها من الإعراب،لكنْ لها محل من الدلالة، وهو توضيح الغموض. و الشاعر بقوله:"و تخفق الأجنحة، في أعين الأطفال، في عالم للنوم " يلجأ إلى القلّة من جمع التكسير، ليخبرنا - بطريقة غير مباشرة – أنّ هذه الأجنحة تخفق في عيون أطفال قليلين يحضنهم عالم النوم. و يستخدم الشاعر لفظة (تكاد أن تمسحه) و هو من أفعال الشكّ و اليقين، فالشاعر في نهاية القصيدة و نفسيّته مضّطربة دفعته أن يلجأ إلى هذا الفعل [تكاد].و ممّا يؤكّد ذلك، أيضاً،عدوله في السطر الأخير عن زهور

إلى الزّهر من حيث صياغة جمع التكسير" تسرق منه الزّهر [الزهور] "،فحالتُه النفسيّة تستلزم منه السرعة، فحُذفتْ [الواو] من زهور.

? الجانب الدِلاليّ

اعلم – أيّها القارئ– أنّ الجانب الدلاليّ ما هو إلا حصيلة الجوانب الثلاثة (مقوّمات التحليل الأدبيّ)،فكل جانب لا بدّ وأن يرتبط به من قريب ٍأو من بعيد. وربّما دخل فيه الرمز و الأسطورة، فالدلالة، إذن، هي العمدةفي التحليل الأدبيّ.

يحفل النص الشعريّ هذا بطائفة من الصّور التشبيهيّة و الكنايات و الاستعارات، وهي ضروب من البلاغة تضفي على النصّ الشعري الغموض والإبهام، فيوصل الشاعر بهما مراده إلى القارئ بصورة غير مباشرة، ممّا يجعل النصّ الشعريّ- بلا شكّ ٍ- مجالاً للقراءة مرّات عديدة باستنتاجات جديدة، بعبارة أوضح، تجعل النصّ الشعري صالحاً عبر الأزمان.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير