تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[العدول في حروف المعاني مظهر من مظاهر الإعجاز البياني في القرآن "1"]

ـ[د عبدالله الهتاري]ــــــــ[13 Apr 2007, 05:33 م]ـ

000000]

اللافت للنظر في التعبير القرآني دقته في تناول حروف المعاني والمغايرة بينها، إذ نجده يستعمل الحرف لدلالة مقصودة في السياق ثم يعدل عنه إلى حرف آخر في السياق نفسه، مما يدعو ذلك إلى التدبر وإعمال الفهم لإدراك ما وراء هذا العدول من مقاصد ودلالات.

ويصعب في هذا المبحث تناول كل مواطن هذا العدول لكثرته وسعته، وتكفي الإشارة إلى بعض صوره ونماذجه وفق التقسيم الآتي:

أولاً: العدول في حروف الجر:

يبرز هذا العدول من خلال المغايرة في حروف الجر في السياق القرآني وذلك بمجيء بعض الأفعال متعدياً بحرف ثم العدول عنه إلى حرف آخر في السياق نفسه، وكذلك المغايرة لهذه الحروف في تعالقها بالأسماء في السياق نفسه.

وهذه المخالفة في تعالق الأسماء والأفعال بالحروف في السياق توحى بدلالات تهمس بها هذه الحروف حيناً وتفصح عنها حيناً آخر، وهي من الدقائق الداعية لإعمال الفكر والفهم العميق في تتبعها ومعرفة سر العدول فيها.

فمن تلك المواطن لهذا النوع من العدول:

1. العدول عن (على) إلى (في):

من ذلك قوله تعالى: ?قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ? [سبأ: 24].

فقد ذكر مع الهدى حرف الجر (على)، فقال: (لعلى هدى). ثم عدل عنه إلى (في) مع الضلال فقال: (أو في ضلال)، ولو جرى السياق على نسق واحد لكان (لعلى هدى أو على ضلال مبين).

وقد وقف الزمخشري على سر هذا العدول، فقال (): "لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه".

يقول ابن القيم () في سياق تفسيره قوله تعالى: ?أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ? [البقرة: 5]: "في أداة "على" سر لطيف وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على هدى، وهو حق، كما قال في حق المؤمنين: "أولئك على هدى من ربهم"، وقال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ?فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ? [النمل: 79]، والله عزوجل هو الحق، وصراطه حق، ودينه حق، فمن استقام على صراطه فهو الحق والهدى، فكان في أداة (على) على هذا المعنى ما ليس في أداة (إلى) فتأمله فإنه سر بديع، فإن قلت: فما الفائدة في ذكر "على" في ذلك أيضاً، وكيف يكون المؤمن مستعلياً على الحق وعلى الهدى؟ قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى، مع ثباته عليه، واستقامته إليه، فكان في الإتيان بأداة "على" ما يدل على علوه وثبوته واستقامته، وهذا بخلاف الضلال والريب، فإنه يؤتى فيه بأداة "في" الدالة على انغماس صاحبه وانقماعه وتدسسه فيه، كقوله تعالى: ?فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ? [التوبة: 45]، وقوله: ?وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ? [الأنعام: 39]، وقوله: ?فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ? [المؤمنون: 54]، وقوله:

?وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ? [هود: 110]، وتأمل قوله: ?وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ? [سبأ: 24]، فإن طريق الحق تأخذ علواً صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير، وطريق الضلال تأخذ سفلاً هاوية بسالكها في أسفل سافلين".

ويضاف إلى هذا دلالة السياق وما يفيده من العلو في (لعلى هدى)، فعلو المكانة والمقام يستوجب علو الإرادة، ونفاذها واستعلائها على نوازع التسفل والسقوط، بإقبالهم على الهدى بمحض اختيارهم، ويفيد انفساح الرؤية أمام أبصارهم فيدركون ما حولهم بوضوح دون حجب أو حواجز، وذلك على النقيض من دلالة التسفل والظرفية في قوله: "أو في ضلال مبين"، إذ يستتبع ذلك دلالات سلب الإرادة، وتقييد الحركة، وانعدام وضوح الرؤية، وفقدان حرية الفكر، وذلك يؤدي إلى تمزق النفس وتخبطها.

2. العدول عن (في) إلى (على):

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير