تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فتلخَّص، أن المجتهد إذا بذل أقصى ما في وسعه العلمي في البحث عن الدليل المزيل، أو المغيِّر، لحكم للحالة الماضية، فلم يظفر به، لجأ حينئذ إلى الاستدلال بالاستصحاب –كما ذكرنا –فيسحب هذا الحكم السابق الثابت للحالة في الماضي، ليجعله قائماً مستمراً في الحاضر، والمستقبل، لأن مجرد مرور الزمن، لا يغيِّر حكمها الذي شرع لها ابتداء، دون دليل مؤثِّر جديد يقطع هذا الاستمرار والبقاء، وهذا معنى قول الأصوليين:

"الأصل بقاء ما كان على ما كان (4) " حتى يوجد الدليل المغيِّر، فهل يعتبر هذا أصلاً عاماً من أصول الاستدلال والاستنباط شرعاً، تقوم بها الحجة، عند عدم وجود الدليل المغيِّر؟؟ ذلكم هو موضوع البحث!!.

على أنه قبل تناول هذا البحث، لا بدَّ أن نشير –بادئ ذي بدء –إلى أن فريقاً من الأصوليين، اختلط الأمر عليه، فتجده لا يكاد يميِّز ببين حكم العقل المحض الذي يقضي بوجود الحكم، كما يقضي باستمراره أيضاً، وبين الاستصحاب، فالدليل على الاستمرار في مثل هذه الحال إذن، هو "العقل" لا الاستصحاب.

هذا، وتجد فريقاً آخر يشتبه الأمر عليه بين الاستدلال بالاستصحاب على استمرار الحكم الثابت به أصلُ وجود الحكم في الماضي، بدليل شرعي، وبين ما يدل العقل والشرع معاً، على وجود هذا الحكم واستمراره أيضاً، مما يدل على أن الشرع جاء مؤيداً لحكم العقل، ولو أراد تغييره، لورد الدليل الشرعي الطارئ على هذا التغيير، ولما لم يوجد هذا الدليل، نشأ الظن القوي بإرادة استدامة (5) الحكم العقلي، واستبقائه، فيبقى على ما كان.

هذا، ويقع التخليط أيضاً، بين استمرار الحكم الشرعي بالاستصحاب، وبين استمراره، نتيجة لازمة لحكم أصل وجوده الثابت له شرعاً في الزمن الماضي ابتداءً (6)، مما يتبين، أن المشرع، قد أقام الحكم السابق للحادثة على "سبب" اقتضى أصل وجوده، كما اقتضى استمراره معاً في الوقت عينه، فيكون استمرار الحكم، واستدامته –كما ترى –ثابتين باقتضاء "السبب" لا بحكم الاستصحاب، فينبغي ملاحظة هذا الفارق الحاسم، وهذه هي الأحكام الشرعية الممتدة. (7).

وأيضاً، إن ما كان استمراره من الأحكام –حاضراً ومستقبلاً –بمقتضى "سَبَبِهِ" الذي أقام الشارع نفسه الحكم على أساسه، ينبغي أن يكون هذا النوع أمراً مسلَّماً به شرعاً، مراعاة للسبب المؤثِّر بجعل الله تعالى في هذا الإيجاد والاستمرار كليهما، فخرج بذلك، عن أن يكون مثاراً للاختلاف في استمراره أو بقائه، وما يستوجب هذا البقاء بدوره من استتباع "الآثار" الواجب العمل بها، لقوة حجيتها، بقوة المؤثر فيها –وهو السبب –وهذا لا يمتُّ إلى "حقيقة الاستصحاب" مطلقاً، لما عرفت من أن "مناط" الاستصحاب، والاستدلال به، إنما يكون حيث لا دليل، وهذا دليله قائم، وهو "السبب" الشرعي الذي اقتضاه، بل الذي أقام الشارع الحكم عليه أصلاً.

وعلى هذا، فحجيَّة استمرار الحكم في مثل هذه الحال، وما يستوجب هذا الاستمرار من استتباع آثاره، مستمدة من حجيَّة "السبب" نفسه الذي اعتبره الشارع، بدليل إقامته الحكم عليه ابتداءً، فالبقاء إذن –في هذه الحال –أثرٌ للعلة أو السبب، وليس أثراً للاستدلال بالاستصحاب، أو عملاً بحكمه!!!

فتلخص، أن دليل الوجود الذي اقتضاه السبب، هو بعينه دليل البقاء والاستمرار، بقيام الحكم أصلاً على "سبب" يوجب استمراره، حتى يوجد الدليل الطارئ المؤثر في تغييره.

مثال ذلك: "الملك الثابت شرعاً، أثراً لعقد البيع، بل حكماً أصلياً له، والزوجية الثابتة بعقد الزواج، وشغل الذمة الثابت بعقد القرض، والضمان أو التعويض الثابتُ شغل الذمة به، بفعل الاتلاف مع التعدي، فإن أدلة ثبوت أصل وجود هذه الأحكام، هي عقد البيع، وعقد الزواج، وعقد القرض، وفعل الاتلاف تعدِّياً، وهي "أسباب جعليَّة" بمعنى أن الشارع قد جعلها "أسباباً" و"عللاً" مؤثرة في أصل وجود هذه الأحكام أو نشوئها بعد ان لم تكن، كما جعلها تقتضي استمرارها وبقاءها، حتى يطرأ الدليل المغيِّر، بأن يبيع "المالك" ما اشتراه، أو يهبه، أو تنتهي عقدة النكاح بالطلاق، أو يؤدي من شُغلت ذمته بالمال المقترَض إلى المقرِض، أو يبرئه المقرض، أو يعوِّض المتلف عما أتلف، على صاحبه، ولولا هذا الدليل المَغِّير، لبقي حكم الزواج قائماً مستمراً، حاضراً ومستقبلاً، وكذلك "الملكية" مستمر حكمُها لصاحبه، بعين

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير