تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ـ[أبو عمر الدوسري]ــــــــ[11 - 03 - 06, 12:18 م]ـ

ثم جاء بعجيبة أخرى تخص شخصيته ـ أعني ابن السَّرَّاج ـ فرغم عدائه الذي رأيت فإنه لم يقطع حب المراسلة والصحبة القديمةـ كما يقول ـ بينهما، ولا ندري نيته في ذلك أهو صادق في نصحائه كما قد يكون الكفرة والضلاّل أحياناً صادقين في دعوتهم من أسلم أو اهتدى إلى ضلالهم وكفرهم الذي هو الحق عندهم؟ أم هو يبغي في كل مراسلاته كفَّه عن جهاده لذويه وأمثاله؟

قال: «ولقد نصحناه في زمن الشبيبة بدمشق كثيراً، وأرسلنا إليه من البلاد الشمالية برسائل لا تحصى، نأمره بالاشتغال بما يفيده، وننهاه عن ضد ذلك لله تعالى ولما بيننا من الصحبة القديمة، ولم يظهر من ذلك اجتراحاً، ولا أنكره أصلاً، ولاحى لشيء قدره الله تعالى، ولقد أجرنا على ذلك (1) وإن لم نعد عنده ويحتمل أنه أفاد مسيراً، ولا يهلك إلا هالك» (1).

وقال: « ... ونحن ـ بحمد الله ـ لمّا كنا مقيمين بدمشق ـ حرسها الله تعالى ـ كان بيننا وبين هذا الفاضل أنس عظيم، ومجاورة بالأهل والعيال بالبلد والبساتين من حين الصغر واللعب المعتاد بين الصغار.

ولما اشتغلنا بالعلم الشريف كنا أكثر الأوقات مجتمعين، وفي محافل تحصيله ملتئمين، وكان أكبر مِنَّا في السن قليلاً، وكنَّا (1) ننهاه عن كثير من المخالفات، على سبيل الشفقة والمحبة (!!).

ولما قُدّر خروجنا إلى الأطراف بالأمر الرباني، والإشارات الصالحة باطناً، ما زلنا نرسل إليه ونعلمه بأن اشتغاله بأهم مما هو فيه أولى وأحرى، وعيّنا له كتباً في فنون يجب إصلاحها والتنبيه على أماكن منها، مع تجار وغيرهم ممن يدعي أنه من أقاربه من أهل حرَّان، ورأس عين الخابور، ومع أشخاص من أهل البيرة وغيرها، وأعلمناه بهذا الكتاب وغيره أننا قد نقضنا أقواله فيهم (1) وبيّنا غلطه.

وكنا لا نكاتبه بذلك لِما علمنا من حال جماعة من السفهاء، والغوغاء والأطراف حوله، يوجسون خاطره، ويقيمون الفتن بينه وبين الناس، ويقولون: يا سيدي أنت يقول لك فلان كيت وكيت؟ وهل يقال لمثل مولانا ذلك؟ إلى فنون من هذا الجنون، ولنا بهم خبرة، وما نعلم أكثر سبب بلاياه إلا هؤلاء الجهلة الحمقى.

ثم أرسل يقول: المصلحة؛ تكتب إلي هذه الأمور حتى أفهم المراد جيداً، فكتبت إليه سبعة فصول في مهمات فلم يجب عنها.

والله العظيم أرسلت إليه مرة ثلاثمئة مسألة من فنون شتى، فقال للرسول ـ وكان اسمه الشيخ حسن الكفرعامري الزيداني ـ: اصبر عليّ أياماً. ثم طالبه بها، فصبّره أياماً، إلى أن كمل لها عنده نصف سنة ثم ادّعى ضياع الأوراق جملة.

وما نقول ذلك إلا لِئَلاّ يعتقد بعض الجهلة أننا نخافه أو نرجوه، أو يتوهم من جهته كما يتوهم غيرنا، فالمتوهمون لتوهمهم أسباب هي مفقودة عندنا بحمد الله تعالى» (1).

وكان قد دفع عن نفسه أن يكون مغلوباً لهواه في ردّه على شيخ الإسلام، فقال: « ... فإن قال جاهل: أظنك مضاداً وأريد أن تُعَرّفني من جهالات من أشرتَ إليه شيئاًحتى أعلم أنك محق فأتبعك، وأن ذلك القبيل مبطل فأجتنبه. قلنا: اعلم يا قليل المعرفة، يا كثير الجهالة، يا عديم التوفيق، أنّا إن شاء الله تعالى بريؤون من مضادة الحق، ومن كل ما يشبه ذلك ... » (1).

وقال وهو يمتدح الرفاعية: « .. وأما من تكلم في هذه الطائفة في زماننا وصنف في الإنكار عليهم مصنفات، وزاد عن الحد، وبالغ في الهدّ، وغلط في العدّ، وأسرف في الشد، فقد وقفنا على أحواله، واطلعنا على منواله، وأحطنا علماً من الصغر بجملة أحواله. ونحن وإياه في السن وخدمة العلم والتربية متقاربون، ولنا به اجتماع كثير في بسيط العمر بمدينتنا دمشق المحروسة، ومجامع علمائها، وبرها وجنانها، وبيننا وبينه من الصحبة والبلدية وغير ذلك ما يعلمه الله تعالى، مع التقوى والعفاف، وهو يحبنا، ونحن نحبه في الله لما ذكرنا، ولكن نكرهه ونبغض اعتماده لله تعالى، لأنه قد أكثر من الخلاف من عهد الصغر، وأفسد القواعد وكان في كل أمره عظيم الضرر، وتفاقم بلاؤه وكان في نكاية الدين إحدى الكبر، مضلاً للبشر. كفى الله الإسلام شرّه وشرّ أمثاله وأطفأ عنهم من شقاشقهم جملة الشرر» (1).

ـ[أبو عمر الدوسري]ــــــــ[11 - 03 - 06, 12:19 م]ـ

لماذا كان ابن السَّرَّاج المتهم عندي؟

ربما اعترض معترض وقال: قد سلَّمنا ببراءة الحافظ الذهبي، من هذه الرسالة، وأن مرسلها بعيد عن أخلاقه وأسلوبه، وأنها صادرة من شانىء لابن تيمية وأصحابه، فمن أين لك أن توقع التهمة على محمد بن السَّرَّاج دون غيره، من الأضداد المخالفين، وهم كثير؟

فأقول: أعلمُ أن المصادر تُجمع على أن أناساً من مخالفيه، قد ناقشوه وناظروه، ومنها الذي يذكر أن بعضهم ردّ عليه في كتاب، وأن آخرين تطاولوا عليه، باللسان وباليد حيناً، ومنهم الذين نصحوه مشافهة، كما فهمتُ من بعض تلك المصادر.

بيد أنّي لم أقف على مصدر، يعرفه الدارسون، يُذكر فيه أن فلاناً من أصحابه أو خصومه، أرسل إليه برسائل لا تحصى (كثرة)، كما رأينا اعتراف ابن السَّرَّاج بذلك في المصدر الذي عثرت عليه.

نعم من شبه المؤكد؛ أن أصحابه وتلاميذه كانوا يكتبون إليه حين يُمنعون من زيارته أيام سُجن، وفي سجنته الأخيرة مما لم ينقل إلينا، ولكنها رسائل ودّ وتعظيم واحترام لا كهذه «النصيحة». ويبقى احتمال إرسال المخالفين له برسائل كالتي رأيناها في «النصيحة» احتمالاً لا سند له في المصادر.

وتأمل معي هذا:

1 ـ صداقة ابن السَّرَّاج القديمة مع مخالفته العميقة لأبي العباس بن تيمية في العقيدة والمنهج ... إلخ.

2 ـ شخصية ابن السَّرَّاج المتعصبة للرفاعيّة، الراغبة في منازلة ابن تيمية والغلبة عليه، أو كفّه عن الصوفية والفقراء.

3 ـ مشابهة معاني «النصيحة» لمعاني كلماته التي نقلتها لك.

4 ـ وأخيراً تصريحه بكثرة إرساله الرسائل والمسائل العلمية إليه.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير