تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ولذلك قال العلائي بعد ذكر الأمثلة لكل قسم مما ذكره آنفا: ‘‘بهذه الأمثلة كلها ظهر أن الحكم بالزيادة تارة يكون للاعتبار برواية الأكثر، وتارة للتصريح بالسماع من الأعلى، وتارة لقرينة تنضم إلى ذلك إلى غيرها من الوجوه’’. وفي ضوء ذلك فما زاده الثقة في السند لا يطلق عليه القبول ولا الرد، وإنما يجب إخضاعه لحكم القرائن والملابسات المحيطة بذلك، كما سبق في تعارض الوصل والإرسال وتعارض الوقف والرفع، ويقول السيوطي: ربما كان الحكم للزائد وربما كان للناقص والزائد وهم، وهو يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد.

وفي حالة كون ذلك المزيد ثابتا في السند فإفادة الانقطاع في السند الذي لم يقع فيه ذلك الراوي المزيد تكون متوقفة على دراسة القرائن. وأما إن كانت الزيادة مردودة فلا يلزم منه أن يكون السند الناقص متصلا. بل يتوقف الحكم فيه أيضا على المعرفة التاريخية لمدى علاقة الراوي بمن فوقه. وهذا الذي الحافظ العلائي يشكل نقطة تعقيب واضح على ما فصله ابن الصلاح- رحمه الله تعالى-.

خامساً: الخلاصة.

من هنا يتبلور مدى صلة هذا النوع بمسألة ‘‘زيادة الثقة’’ وغيرها من الأنواع التي سبق ذكرها، وهي: تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، والمدرج –؛ فإنها جميعا تنبثق من نقطة الاختلاف بين الرواة زيادة ونقصا، وأن الحكم فيها يكون متوقفا على تتبع القرائن وإمعان النظر في دلالاتها الظاهرة والخفية.

وأما ما بينه ابن الصلاح من اعتماد ظواهر السند فلا يُعوّل عليه إلا في حالة التأكد من خلو المزيد في السند من القرائن الدالة على صوابه أو خطئه. وبالتالي يتجلى هذا الموضوع منسجما لصنيع المحدثين في التصحيح والتضعيف. وإذا علمت هذا فإنك تكون على يقين بأن هذا الباب لا ينهض به إلا الناقد المتمرس العارف بهذا الشأن. وعليه فما يلحظ في ظواهر الإسناد من العنعنة أو ذكر السماع فلا يتخذ ذريعة لرفض نصوص النقاد على وجود خطأ ووهم فيما زاده الثقة في سند الحديث.

وبقي هنا أمران:

أولهما: أن الذي يظهر من خلال تتبع هذا الموضوع في مصادر متعددة أنه لم يستخدم هذا المصطلح إلا الخطيب البغدادي، بل ربما يكون هو أول من استخدم هذا المصطلح، وذلك حين أفرد له تأليفا خاصا أسماه ‘‘تمييز المزيد في متصل الأسانيد’’، وتسبب ذلك لتحول هذا المصطلح نوعا من أنواع علوم الحديث لدى المتأخرين، مثل ‘‘السابق واللاحق’’، و‘‘المؤتلف والمختلف’’، وغيرها من الأنواع التي يرجع ظهورها في كتب المصطلح كأنواع علوم الحديث إلى تأليف الخطيب وغيره كتبا مفردة لكل منها، ولعل هذا الإفراد من أجل طرافة تلك المسائل الجزئية، وليست لكونها أنواعا تحوي قواعد علمية.

والجدير بالذكر أن الحافظ ابن حجر في الفتح استخدم هذا المصطلح بشكل مكثف في رد المزيد وتخطئته، والحكم على أصل السند باتصاله، بخلاف ما كان عليه ابن الصلاح حيث يجعل قبول المزيد في السند أصلا.

والثاني: لهذا النوع صلة وثيقة بالتدليس والإرسال الخفي وبجميع أنواع الانقطاع عموما باعتبار كونه وسيلة من وسائل كشف ذلك الانقطاع الظاهر والخفي، وإن كان ذكر الواسطة بين راويين في السند يعد مؤشرا على وجود احتمال الانقطاع في السند الحالي من الواسطة؛ فإنه لا يعول على ذلك مباشرة إلا بواسطة القرائن، كما أوضحنا ذلك مفصلا في كتابنا ‘‘كيف ندرس علوم الحديث’’.

وبعد دراسة الأنواع السابقة: تعارض الوصل والإرسال وتعارض الوقف والرفع، والمدرج، والمزيد في متصل الأسانيد، دراسة تحليلية ونقدية يتبين لنا مدى ظهور زيادة الثقة في هذه الأنواع بحيث تشكل كلها وحدة موضوعية تتمثل في التفرد والمخالفة، وأن هذا الترابط الموضوعي فيما بينها لم يكن أساسا في معظم كتب المصطلح حين معالجتها لهذه الأنواع.

الخاتمة:

تتمثل أهم نقاط هذا البحث فيما يلي:

1 ــ إن الأنواع السابقة: تعارض الوصل والإرسال وتعارض الوقف والرفع، والمدرج، والمزيد في متصل الأسانيد، كلها تتصل بمسألة زيادة الثقة، وتشكل جميعها وحدة موضوعية تتمثل في حالتي التفرد والمخالفة، وأن هذا الترابط الموضوعي فيما بينها لم يكن أساسا في كتب المصطلح حين معالجتها لهذه الأنواع.

2 ــ ولتصبح أحكام هذه الأنواع موحدة ومنسجمة مع منهج المحدثين النقاد في قبول الأحاديث وردها يجب أن يؤخذ هذا الترابط الموضوعي الوثيق بعين الاعتبار حين يطرح كل منها، وأن يعد ما سبق في مبحث العلة من تفاصيل الحكم والحيثيات العلمية ميزانا دقيقا في ذلك كله.

3 ــ وتتفق معظم كتب المصطلح على اعتبار أحوال الرواة وظواهر السند معيارا عاما لتفصيل أحكام تلك الأنواع التي دار عليه البحث، وهذا أمر يتعارض تماما مع منهج المحدثين النقاد في قبول الحديث ورده.

4 ــ وكل هذه النتائج تؤكد أن زيادة الثقة ليس حكمها القبول مطلقا ولا الرد مطلقا وإنما يكون ذلك كله وفق القرائن المتوافرة فيها، وأما في حالة عدم توافرها لا يبقى مجال في قبول الزيادة سوى الرجوع إلى الأصل في الثقة، وهو أن يكون مصيبا فيما زاده، ويقال عندئذ إن قبول زيادة الثقة مقبولة.

ولله الحمد والشكر.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير