إذا انتقلنا إلى تونس، آخر مستقر حازم القرطاجني، نجد فيها حالة سياسية متأججة. فالدولة الحفصية لم تعد تفكر في تحسين حالها وصيانة استقرارها فحسب، بل فكرت في بسط نفوذها على ما وراء بلاد إفريقية.
فبعد موت الرشيد وتولي أخيه السعيد مقاليد الحكم، خرج أبو زكرياء، وهو من أخص أتباع مذهب الموحدين، وسعى في سبيل توسيع نفوذهم في بلاد المغرب وإفريقية، وفتح عددا من المدن والأقاليم. وقد قضى هذا الأمر على الدولتين المرينية والنصرية - وبهذا أصبح أبو زكرياء أقوى الأمراء نفوذا وسلطانا في شمالي إفريقية.
وورد مدينة تونس - عاصمة الحفصيين - فريق من رجال الفكر والأدب، حيث انحدروا هناك من مختلف أنحاء الأندلس، وكان من بينهم العلامة حازم القرطاجني، الذي سعى سعيه نحو تكوين نخبة من العلماء والأدباء، فساعد ذلك على نشر المناهج الأندلسية في بلاد تونس. وسبب ذلك حسد بعض رجال الدولة الحفصية، الذين أخذوا يمكرون ويحوكون الدسائس، ولكن حازما لم يغفل عن ذلك، وأخذ الحيطة والحذر، فاجتهد وأخلص في عمله فوثق به المستنصر وأعطاه المكانة المرموقة في قصره.
الباب الأول: حازم القرطاجني وكتابه
الفصل الأول: التعريف بشخصية حازم القرطاجني
المبحث الأول: حياة حازم
1 - حازم وبيئته
ولد أبو الحسن حازم بن محمد بن حسن القرطاجني عام 608/ 1211 بمدينة قرطاجنة، ( Cartaghène, Cartagena) من سواحل كورة تدمير، الواقعة في شرقي الأندلس. عاش في طفولته وشبابه عيشا رغدا، حيث كان أبوه ذا مكانة عالية في قرطاجنة، متوليا فيها خطة القضاء حتى وفاته سنة 637/ 1234. بدأ حازم، ككل الأطفال في عصره، بحفظ القرآن، وتخرج في قراءته على شيوخ أجلاء من قراء بلده. وكان لوالده دور مشاهد في تكوين شخصيته العلمية، حيث كان معلمه الأول، وموجهه لمعرفة العربية وتعلم قواعدها، ورائده في الأخذ بأطراف العلوم الفقهية والحديثية. ولما يفع حازم أقبل على دراسة العلوم الشرعية واللغوية، وكان ذلك سببا في ترداده المستمر على مرسية القريبة للأخذ عن العلماء مثل الطرسوني والعروضي. "وهناك درس كثيرا من أمهات الكتب حتى فاق نظراءه. واكتملت عناصر ثقافته فكان فقيها مالكي المذهب كوالده، نحويا بصريا كعامة علماء الأندلس، حافظا للحديث، راوية للأخبار والأدب، شاعرا".
ولم يقتصر حازم على ذلك، بل حرص على الاستزادة من المعرفة والأخذ عن أعلام عصره المقيمين بجنوبي الجزيرة. وسافر في سبيل طلب العلم إلى غرناطة وإشبيلية، حتى جمع كثيرا من الإجازات والأسانيد. "واتصل آخر الأمر بشيخه الجليل عمدة الحديث والعربية"-أبي علي ابن الشلوبين.
ولعل شيخه الشلوبين لاحظ فيه استعداداً للأخذ بالعلوم العقلية، فلم يجعل منه راوية كابن الأبار، أو لغويا نحويا فقط، فيقتصر على تدريس كتاب سيبويه، بل وجهه إلى مطالعة كتب الفلسفة الهيلينية، وأشار له بدراسة كتب المنطق والخطابة والشعر.
وأعجب حازم بسعة اطلاع أستاذه فأقبل على دراسة ما أشار عليه به من مصنفات شيخه ابن رشد، وكتب غيره من الفلاسفة مثل الفارابي وابن سينا. وذكر السيوطي أن عدد شيوخه بلغ ألفا، ولكننا لا نجد في تلك المصادر من ذُكر باسمه غير الطرسوني والعروضي والشلوبين.
وانعكست هذه المؤثرات – من سعة الاطلاع والأخذ عن أعلام أفذاذ – على شخصية حازم القرطاجني، حيث تزيّن بكمّ هائل من العلوم اللسانية والحديثية والفقهية. وأورد السيوطي في ذلك أقوال بعض معاصريه حيث ذكر بعد اسمه ونسبه أنه "شيخ البلاغة والأدب. قال أبو حيان: هو أوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان." ونقل أيضا عن ابن رشيد قوله: "حبر البلغاء، وبحر الأدباء، ذو اختيارات فائقة، واختراعات رائقة، لا نعلم أحدا ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع، ولا أحكم من معاقد علم البيان ما أحكم؛ من منقول ومبتدع. وأما البلاغة فهو بحرها العذب، والمتفرد بحمل روايتها، أميرا في الشرق والغرب. وأما حفظ لغات العرب وأشعارها، فهو حماد راويتها، وحمال أوقارها. يجمع إلى ذلك جودة التصنيف وبراعة الخط، ويضرب بسهم في العقليات، والدراية أغلب عليه من الرواية.". وأورد هذا القول، كذلك، المقري في "أزهار الرياض" عند ترجمته لحازم القرطاجني.
2 - هجرته إلى تونس
¥