تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

توالت مدن شرقي الأندلس سقوطا في براثن النصارى، فاضطرّ جمع من الأسر العلمية الأندلسية إلى مغادرة البلاد، والهجرة إلى المغرب أو بلاد الشام والحجاز، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وكان من بين هؤلاء العلماء مترجَمُنا حازم القرطاجني، حيث اضطر إلى مفارقة قرطاجنة بعد أن دفن فيها أباه بزمن يسير. ولا نملك أخباراً عن توقيت هجرته، لكن يقدر الباحثون أنها وقعت بين سنة 633 - 637/ 1236 - 1239. ولم يقصد حازم تونس توّا، بل مكث بمراكش بعض الوقت، واتصل بالسلطان الموحدي الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن المأمون. ولا بد من الإشارة هنا إلى الحركة الثقافية والعلمية التي لوحظت رغم الاضطرابات والفوضى التي كانت تهز المغرب آنذاك. "وذلك أن الرشيد كان يولي هذا الجانب من الحياة في دولته عناية خاصة"، حيث كان يغدق على العلماء المقيمين بفاس أموالا كثيرة.

ثم ينتقل حازم إلى إفريقية (أي بلاد تونس) فيرد قصر المأمون الحفصي – أبي زكرياء الأول، وينشده قصيدته الطويلة التي أعلن فيها بيعته وطلب من الأمير حمايته واستصرخه، كما فعل ذلك ابن الأبار لإنقاذ الأندلس المنكوبة المغلوبة. وكانت له مكانة مرموقة في بلاط المستنصر، كما سبق ذكر ذلك. قال ابن سعيد واصفا مكانة حازم: "وهو الآن تحت إحسان المقام الإمامي المستنصري – خلد الله دولته وأبقى على الكل بركته – وقد تشرف بالحضور في المجلس الكريم، وأخذ معه فيما تجذبه المذاكرة من النثير والنظيم".

وبقي حازم يعيش في ظل الحفصيين إلى أن توفاه الله ليلة السبت 24 من رمضان، سنة 684/ 23 نوفمبر 1285.

المبحث الثاني: مصنفات حازم

لاحظنا فيما سبق مدى اتساع آفاق حازم وتنوع معارفه وتباينها، مع دقته وتعمقه في تحليل مسائل العلوم التي كان يتقنها. وتنقسم الآثار التي خلفها ثلاثة أقسام مختلفة، وهي: القسم الأدبي – أي ما خلفه حازم من الأشعار مما أمكن الوقوف عليه؛ وقسمان علميان أحدهما في النحو والآخر في البلاغة والنقد.

1 - القسم الأول: الآثار الشعرية

يظهر لمن يقلب صفحات حياة حازم شدة اهتمام هذا العالم النحرير بالشعر. فإننا نرى مدائحه منذ شبابه تتجه إلى الأمير الموحدي الرشيد، ثم إلى عدد من الأمراء الحفصيين، وله منظومة طويلة، أربت على الألف بيت – وقد شهد لها النقاد في القديم والحديث بالتفوق والجودة.

ونلاحظ في شعره عموما أنه يتراوح بين قصيدة ومقصورة؛ وأغراض هذه الآثار متنوعة بين صوفية ووصفية وهزلية وصناعية بلاغية وجديّة.

- فمن أشعاره الصوفية قصيدة مطلعها:

سبحان من سبحته الشهب والفلك والشمس والبدر والإصباح والحلك

-وأما شعره الوصفي، فقد أورد المقري قصيدة وصفية لحازم في اثنين وثلاثين بيتا وطالعها:

أَدِرِ المُدامة فالنسيم مؤرَّج والروض مرقوم البرود مدبَّجُ

وله في هذا الغرض ست مقاطيع، مما أمكن الوقوف عليه من الشعر.

-ويمثل شعر الهزل عند حازم غرض النسيب، وهذا يبدو في طوالع القصائد، مثل قوله:

سلطان حسن عليه للصبا علم إذا رأته جيوش الصبر تنهزم

-أما النظم الصناعي البديعي، فله في ذلك ثلاث مقاطيع، وهي تظهر لنا مدى ولوع حازم بهذا الضرب من النظم. ونلفت النظر إلى إحدى تلك المقطوعات، والتي تضمنت لغزا تتعلق بقولك – ألغز له، وهي:

يا مَن له فكرٌ منيـ ـر يهتدى بسراجه

ما جمعٌ إن تأمر به أضحى كقولك: حاجه

- وتنقسم أشعاره الجدية إلى مراث ومدائح. أما المراثي، فنملك منها الآن قصيدا ومقطوعة فحسب، ونورد من ذلك مطلع القصيد:

لا تبك حزنا ليوم بين وذكر ريم برامتين

وهي في رثاء الإمام الحسين بن علي، كالمقطوعة السابق ذكرها.

- وقد أكثر حازم النظم في غرض المديح، ومن القصائد التي قالها في هذا الغرض منظومته الطويلة ذات تسعة وتسعين بيتا، ضمنها الشاعر معلقة امرئ القيس، وصرف معناها إلى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، مطلعها:

لعينك قل إن زرت أفضل مرسل "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"

"ولما اشتملت عليه هذه القصيدة من خصائص، كانت في عصره أشهر ما علم من نظمه، وتلقفها الناس بالرواية طبقة عن طبقة وجيلا بعد جيل."

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير