تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك. وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم. فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.

وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم.

وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه إلا أن يكون شرحاً لكلام يتعلق من كلامهم، وأما ما كان مخالفاً لكلامهم، فأكثره باطل أو لا منفعة فيه. وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ، وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة، والمآخذ الدقيقة مالا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم يه.

فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم. قال الأوزاعي:' العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما كان غير ذلك فليس بعلم'. وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفة لها؛ لشذوذه عن الأئمة، وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.

فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين، أو الفلاسفة، فشر محض، وقل من دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم، وكان أحمد وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة.

والعلم النافع ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة، والتابعين، وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد، والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانياً، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل، ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل، واستعان عليه؛ أعانه وهداه، ووفقه، وسدده، وفهمه، وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به، وهي خشية اللَه كما قال عز وجل: { ... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ... [28]} [سورة فاطر].

قال ابن مسعود وغيره:' كفى بخشية اللَه علمًا، وكفى بالاغترار باللَه جهلًا'. وقال بعض السلف:' ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية'. وقال بعضهم:'من خشي اللَهَ فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل'. وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:

أحدهما: على معرفة اللَه، وما يستحقه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الباهرة. وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضى بقضائه، والصبر على بلائه.

والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة، والأقوال.

فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة اللَه ورضاه، والتباعد عما يكرهه ويسخطه. فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا؛ فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً، ووقر في القلب، فقد خشع القلب للَّه وانكسر له. وذل هيبة وإجلالاً، ومحبة وتعظيماً.

ومتى خشع القلب للَّه وذلّ وانكسر له؛ قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا، وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة، والزهد في الدنيا. وكل ما هو فانٍ لا يبقى من المال والجاه، وفضول العيش الذي ينقص به حظ صاحبه عند اللَه من نعيم الآخرة- وإن كان كريماً على اللَه كما قال ذلك ابن عمر وغيره من السلف وروي مرفوعًا-. وأوجب ذلك أن يكون بين العبد وبين ربه عز وجل معرفة خاصة، فإن سأله أعطاه، وإن دعاه أجابه كما قال في الحديث الإلهي: [ ... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ –إلى قوله:- وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ] رواه البخاري.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير