تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ويعذر الجاهل بترك شيء من الواجبات كالصلاة والزكاة، وفعل شيء من المحرمات كشرب الخمر ونحوه إذا كان حديث عهد بكفر، أو نشأ ببادية بعيدة، أو يعيش في بلد بعيد عن بلاد المسلمين كبعض بلاد أفريقية التي يتعذر فيها العلم والاحتراز من الجهل، وقد قرر هذا الأئمة في مواضع كثيرة.

قال الإمام القرافي في «الإعلام بقواطع الإسلام»: (76) (واعلم أن الجهل نوعان:

النوع الأول: جهل تسامح صاحب الشرع عنه فعفا عن مرتكبه، وضابطه أن كل ما يتعذر الاحتراز عنه عادة فهو معفو عنه.

النوع الثاني: جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه فلم يعف عن مرتكبه، وضابطه أن كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه، وهذا النوع يطرد في أصول الدين وأصول الفقه وبعض أنواع الفروع، وأما أصول الدين؛ فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديداً عظيماً بحيث أن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه لرفع الجهل عنه في صفة من صفات الله أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الدين ولم يرتفع ذلك الجهل لكان بترك ذلك الاعتقاد آثماً كافراً يخلد في النيران على المشهور من المذاهب».

وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم»: (83) (وفي الجملة فما ترك الله وسول الله صلى الله عليه وسلم حلالاً إلا مبيَّناً ولا حراماً إلا مبيَّناً لكن بعضه كان أظهر من بعض، فما ظهر بيانه واشتَهَر وعُلِم من الدين بالضرورة من ذلك، ولم يبق فيه شكٌ ولا يعذر أحد فيه بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حِلِّهِ أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضاً، فاختلفوا في تحليله وتحريمه).

وقال ابن تيمية في أثناء كلام له في ذم أهل الكلام من «مجموع الفتاوى»: (4/ 54):

(وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفَّر مخالفها مثل: أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة، والنبيين، والشمس، والقمر، والكواكب، والأصنام، وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداته لليهود، والنصارى، والمشركين، والصابئين، والمجوس؛ ومثل تحريم الفواحش، والربا، والخمر، والميسر، ونحو ذلك؛ ثم نجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور فكانوا مرتدين).

قال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي:

(أما قوله نقول بأنَّ القول كفر ولا نحكم بكفر القائل، فإطلاق هذا جهل صرف، لأن العبارة لا تنطبق إلا على المعين، ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولاً يكون القول به كفراً فيقال من قال بهذا القول فهو كافر لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالة السنة، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه في كثير من كتبه. وذكر أيضاً بكفر أناس من أعيان المكلفين بعد أن قرر المسألة، قال: وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله).

ومن يَعْذر أو لا يَعْذر بالجهالة مطلقاً بالتماثل على كل المسائل، فقد خالف مقاصد الشريعة وظواهر الأدلة من الكتاب والسنة وما عليه الأئمة.

ومن كان من أهل العذر بالجهل أو غيره فلا يلزم من وقوعه في فعل المكفِّر أن يكفر بعينه بل لا بد من توفر شروط تكفير المعيَّن وانتفاء موانعه، قال تعالى: [الإسرَاء: 15] {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}.

قال ابن تيميه في الفتاوى (12/ 487):

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير