تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[لعله آخر رمضان]

ـ[د. محمد الرحيلي]ــــــــ[04 - 11 - 2002, 09:34 ص]ـ

إن الذي يرجع البصر في بلاد المسلمين وهي تستقبل شهر رمضان في هذه الأيام، يجد بوناً شاسعاً بين ما نفعله في زماننا من مظاهر استقبال شهر رمضان، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.

وإن القلب ليملي على البنان عبارات اللوعة والأسى، فيكتب البنان بمداد المدامع، وينفطر الجنان من الفتن الجوامع!

فالسلف رحمهم الله كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر حتى يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه اجتهدوا في العبادة فيه، ودعوا الله سبحانه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم.

أما أصحاب الفضائيات والإذاعات في زماننا؛ فإن معظمهم يستعد لرمضان قبل مجيئه بستة أشهر بحشد كل (فِلم) خليع، وكل (مسلسل) وضيع، وكل غناء ماجن للعرض على المسلمين في أيام وليالي رمضان؛ لأن (رمضان كريم) كما يعلنون!

ولسان حالهم يقول: شهر رمضان الذي أنزلت فيه الفوازير والمسلسلات!!

ولأن مردة شياطين الجن تصفد وتغل في شهر رمضان، عز على إخوانهم من شياطين الإنس الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون! عز عليهم ذلك فناوؤا دين الله تعالى وناصبوه العداء، وأعلنوا الحرب ضده في رمضان بما يبثونه ليل نهار على مدار الساعة على كثير من الشبكات الأرضية والفضائية!

وقبل دخول شهر رمضان بأيام .. إذا ذهبت إلى الأسواق والمتاجر والجمعيات ستجد الناس يجمعون أصنافاً وألواناً من الطعام والشراب بكميات كبيرة وكأنهم مقبلون على حرب ومجاعة، وليس على شهر التقوى والصيام!

فأين هم مما يحدث لإخوانهم المسلمين المشردين في هذه الأيام؟!

وما إن تغمر نفحات الشهر الكريم أرجاء الدنيا، حتى تنقلب حياة كثير من المسلمين رأساً على عقب، فيتحولون إلى (خفافيش) فيجلسون طيلة الليل يجلسون أمام الشاشات، أو يجوبون الأسواق والملاهي والخيام الرمضانية والسهرات الدورية .. ثم ينامون قبل الفجر! وفي النهار نيام كجيف خبيثة!!

وعلى الرغم من أن معظم حكومات الدول الإسلامية تقلل ساعات العمل الرسمي في رمضان وتؤخر بداية الحضور، إلا أن السواد الأعظم من الموظفين والعاملين ينتابهم كسل وخمول وبلادة ذهن، ويعطلون مصالح البلاد والعباد، وإذا سألتهم قالوا: إننا صائمون! وكأن الصيام يدعوهم للكسل وترك العمل، وهي فرية يبرأ منها الصيام براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام! فما عرف سلفنا الكرام الجِد والنشاط والعزيمة والقوة إلا في رمضان، وما وقعت غزوة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت، وفتح الأندلس، وغيرها إلا في رمضان. والدراسات العلمية الحديثة أثبتت فوائد جمة للصيام .. فلماذا –أيها الموظفون – تتهمون الصيام بأنه سبب كسلكم وخمولكم؟!

آهٍ من لوعة ضيف عزيز كريم بين قوم من الساهين الغافلين!

أوَّاه لو كانوا لحق قدره يقدرون، أو يعرفون!

وإذا أردت أن تبكي، فاذرف الدمع مدراراً، وأجر الحزن أنهاراً على الإعلانات التي تدعوك عبر وسائل الإعلام المختلفة إلى الاستمتاع بتناول السحور والتلذذ بمذاق الشيشة –النارجيلة- على أنغام المطرب .. ورقصات الفنانة .. وفرقة .. في الخيمة الرمضانية بـ ..

وإذا سرت بعد منتصف الليل في رمضان في أي مدينة إسلامية سترى عجباً عجاباً لو ترى عيناك! سترى المحلات والأسواق مفتحة الأبواب، وسترى العارية وذات الحجاب، وأصوات اللهو والأغاني ترتفع فوق السحاب، والمعاصي عياناً جهاراً، وانقلب الليل نهاراً!

فأين أين أرباب القيام؟! أين المحافظون على آداب الصيام؟! أين المجتهدون في الصيام والقيام؟! أين المجتهدون في جنح الظلام؟! فشهر رمضان مضمار السابقين، وغنيمة الصادقين، وقرة عيون المؤمنين .. وأيام وليالي رمضان كالتاج على رأس الزمان، وهي مغنم الخيرات لذوي الإيمان ..

فطوبى لعبد تنبه من رقاده، وبالغ في حذاره، وأخذ من زمانه بأيدي بداره .. فيا غافلاً عن شهر رمضان اعرف زمانك .. يا كثير الحديث فيما يؤذي احفظ لسانك .. يا متلوثاً بأوحال الفضائيات والجلسات اغسل بالتوبة ما شَانَك!

إن إدراك رمضان من أجل النعم، فكم غيب الموت من صاحب، ووارى من حميم ساحب .. وكم اكتظت الأسِرة بالمرضى الذين تتفطر قلوبهم وأكبادهم، ويبكون دماً لا دموعاً حتى يصوموا يوماً واحداً من أيام رمضان، أو يقوموا ليلة واحدة من لياليه، ولكن .. حيل بينهم وبين ما يشتهون!

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير