تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[تراث العلماء بين تغافل الدول وعجز الهيئات والأبناء]

ـ[محمد مبروك عبدالله]ــــــــ[07 - 06 - 10, 10:50 م]ـ

[تراث العلماء بين تغافل الدول وعجز الهيئات والأبناء]

كتبها: محمد أبو مليح

الكتاب من أهم مصادر المعرفة إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وكان وسيظل مهما تقدم الزمان النافذة التي يطل منها الإنسان على تجارب بني الإنسان؛ والحافظة التي يحفظ فيها السابقون حصاد أعمارهم وخبراتهم في حياتهم للاحقين، وهو المعبر الوحيد الذي يستطيع أن يعبر منه الإنسان إلى حضارته وثقافته وتراثه. وهو المعلم الحقيقي والصديق الذي لا يخذل صديقه، وإذا كانت الوحدة خير من جليس السوء، فإن خير جليس في الوحدة، بل خير جليس في الأنام كتاب.

وإذا اتفقنا على أن الكتاب كنز، فإن المكتبة هي مجمع الكنوز، بل هي الجامعة التي يتخرج فيها العباقرة، والمنهل الذي يروي عطش الظامئين للمعرفة من بني البشر دونما تمييز بين كبير أو صغير، أو غني أو فقير، فهي صديق كل من لا صديق له.

وقد اهتم الإنسان منذ القدم بتدوين معارفه وتجاربه فصار ينقشها على الأحجار، ويكتبها على جدران الكهوف، وعلى الجلود وأوراق الشجر ولفائف البردي حتى توصل إلى صناعة الورق، ومن ثم الطباعة القديمة والحديثة، وحتى توصل إلى اختزان الكم الهائل من المعلومات على أقراص الليزر التي يتوقع في المستقبل القريب أن تمكن الإنسان من حمل مكتبة ضخمة في جيبه يتنقل بها حيث شاء.

مكتبات الآباء في مهب الريح

ومع ذلك فإذا كانت مكتبات الآباء القدماء قد ضاع الكثير منها سدى، وتنكرت لها الأيام بعد أن أهملها الأبناء، وانتقل الكثير منها إلى كثير من البلدان الأوروبية وغير الأوربية، فإنه لم يبقى أمامنا الآن إلا أن نبحث عن وسيلة نحفظ بها ما بأيدينا قبل أن يأتي من بعدنا فيتهمونا بالتقصير، وحينها لن يجدوا عذرًا لنا، ففي عصر التكنولوجيا، وفي عصر الملايين المملينة التي تصرف على وجوه لا وجاهة لها، لن يجدوا لنا عذرًا إلا أن يتهمونا بالجهل والتخلف.

فما الحل وما السبيل لحفظ هذه المكتبات، هذا التراث المعرض للضياع، هذه الثروة التي تخلص منها الورثة أول ما تخلصوا، والتي أصبحت – لذلك - تمثل همًا ليس عند الأبناء فحسب بل وعند الآباء قبل موتهم كذلك.

ومن المسئول عن هذا الضياع؟ هل نلقي تبعة ضياع هذا التراث على الدولة، والتي طالما حاربت وتحارب من أجل أحجار على أنها من تراث البلد ولكنها تقف موقف العاجز البأس تجاه ما يضيع من تراثنا المكتوب، أم نلقي التبعة على الورثة الذين يفرطون في هذه الثروة، أم على العلماء أنفسهم بأنهم لا يذكرون ما يحبون أن تأول إليه هذه المكتبات بعد موتهم مثلما يوصون بأمور أخرى. أم أن كل هؤلاء هم المسئول؟

موقف الأبناء من مكتبات الآباء

إذا أردنا أن نرصد موقف الأبناء من مكتبات آبائهم وجدنا تباينا مذهلا، وإن بدت مواقفهم متقاربة، فبعض الأبناء لم ينظر من الأساس إلى هذا التراث، ولم يعره اهتمامًا، وذلك لعله راجع إلى الفجوة الموجودة بين تخصص الأبناء وتخصص أبيهم، في حين اهتم به آخرون، وبذلوا من أجله الكثير على الرغم من ضيق ذات اليد معهم، فلم يبخلوا على هذا الإرث بما في يدهم وما يملكون ابتغاء حفظه من الضياع.

في مصر:

وبينما كنت أتحدث مع أحد العلماء قال لي:" والله أنا لا أخاف إلا على هذه ولا أريد أن يطيل الله في عمري إلا من أجلها" وأشار إلى مكتبته، بينما عالم آخر سارع قبل موته ببيع مكتبته بنفسه، وأيًا كان السبب فهو سبة في جبيننا، فإن كان قد احتاج إلى ثمنها فيجب أن نشعر جميعا بالذنب والتقصير، وإن كان قد خاف عليها بعد موته فعلينا أن نحزن ونخاف على ما آل إليه حالنا، حيث أصبحنا لا نؤتمن على العلم، ولا نعير العلماء اهتماما. وعالم آخر خاف صديق عمره على مكتبته فقام بشرائها من ورثته وأهداها إلى مكتبة عامة، بعد أن وعدت إدارة هذه المكتبة بأن تحفظ هذه المكتبة باسم صاحبه تخليدًا لذكراه (أهداها هذا الرجل إلى مكتبة الآباء الدومينيكان). وهناك من مات وليس له أولاد، فتناثرت كتبه ودارت مع الأيام وتوزعت في كل مكان، إلى أن قيد الله لها من عباده من حاول أن يجمع شتاتها.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير