تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وبالرغم من أن التحدي الحضاري ظاهرة لازمة في الأمة، وأنه لم يأت حين من الدهر على المسلمين لم يأت عليهم تحديات حضارية، فإن التحدي المعاصر يتخذ طابعاً مختلفاً، يمكن تحوله التدريجي إلى مواجهة حضارية شاملة للجوانب الأيدلوجية، والاقتصادية، والسياسة، والعسكرية، وهي مصيرية؛ لأنها تعتزم اكتساح الحضارة الإسلامية حتى لا تعود قادرة على الظهور مرة أخرى.

عن ثوبان -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلّم-: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق؛ كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» ...

وبخاصة أنه يوجد في السياسات الغربية نظرية مفادها: وجود عدو دائمٍ أو خطر كامن؛ يستوجب مواجهته قَبْلَ ظهوره.

يضاف إلى ذلك فكرة صراع الحضارات لصموئيل هاتشجنتن ونهاية التاريخ.

ولقد نجح التحدي الحضاري الغربي -ولو شيئاً يسيراً- في إيهام العقل الإسلامي المعاصر بأنه لن ينطلق من ظلماته إلا بالخروج من ذاته وتراثه؛ أي: الانفصال عن زمانه الماضي.

لكن الانفصال عن الماضي وهمٌ، لا يجيزه عقل؛ فهو صورة الحق؛ لأنه إذا كان الواقع حقاً؛ فالحضور الإسلامي واقع؛ لأن الواقع الراهن نسيج تاريخي يحضر فيه الدين حضوراً فاعلاً واسعاً، ولذلك لا يمكن أن ينسلخ عن ذاته أو ينفصل عن ماضيه، أي: دينه.

ولذلك؛ فإن أثر الحضارة الغربية لم يعد من الأمور التي تتجاهل، لأن ذلك الأثر سوف يوجه مستقبل الأمة لو أسيءَ التعامل معه.

وبخاصة أن الغزو الحضاري سلاح فتاك يفضله الغرب –أحياناً- عن الدبابة والمدفع في محاولة إخضاع الأمة الإسلامية وتطويعها.

إن مشكلة التبعية للأجنبي - وهي التي لا يمكن مواجهتها بمعزل عن هذا الأجنبي الذي لا ينفك عن التحدي العدواني للوجود الإسلامي الذاتي- الفردي والجماعي بدوافعه الطامعة في تحويل الحضور الإسلامي وعوامله الحيوية إلى موضوع لحضوره هو بالجوار على ما هو حق وجودي للآخر، وباستلاب حريته في إبداع حضور تاريخي متميز مستقل بذاته، حيث هناك ما يسمى بالتطهير العرقي، والإبعاد، والتهجير، والإلغاء الثقافي، وتفتيت العالم جغرافياً وتاريخياً، والحكم على البشرية بأن تسير في طريق غاية منتهاها ما انتهى إليه الغرب.

إن الأمر يتعدى حدود الهيمنة إلى الاستئصال، وفق الغايات المالوستية، وأطاريح ماكس نوردو في طرد سكان الجنوب إلى عمق الصحراء ليقضوا نحْبهم هناك تاركين أماكنهم للعرق الأفضل الأوروبي (!)

والمواجهة الحضارية تبرز من خلال مظاهر مختلفة، بيد أن نقطة واحدة تقرر مصيرها النهائي لصالح الأمة، أو في صالح أعدائها، تلك هي جدارة الفكرة الحضارية بالبقاء؛ فبقدر ما تكون الفكرة مليئة بركائز التقدم والتغلب، وبقدر ما تبعثه في الإنسان المتقمص لها من الإيمان والمعرفة؛ سيكون تقدم الأمة وانتصارها.

ولن تغني الفكرة الحضارية شيئاً لو لم تملك الأصالة والواقعية، ولم تكن قادرة على تحميل نفسها على كتف الحياة حتى تصنع رجالاً، وتصنع بهم بطولات، وتصنع بهم حضارة متفوقة.

إذ بدون التفاعل بين الإنسان والفكرة؛ كيف يتمكن الإنسان من تغيير واقع وبناء حياة؟! فهل تتقدم أمة تملك ثرائاً ضخماً من الفكرة الحضارية لو لم تتحول فعلاً إلى عطاء وعمل؟!

ومن هنا؛ فإن الإسلام لن يغني الأمة شيئاً ما دام فكراً تاريخياً في ذهنية المسلمين، دون أن يتحول إلى مادة حضارية تتفاعل مع الإنسان في واقعه الخارجي، ولن يقع هذا التحول دون ظهور الإسلام على المسرح من جديد؛ حتى يقوم بدوره كفكرة حضارية.

ذلك لأن الإسلام كدين، والإسلام كتاريخ يختلف كثيراً عن الإسلام كإيمان وعمل، وبالتالي كفكرة حضارية.

إذ الدين بمفهومه الشائع انتماء وطقوس، والتاريخ عبر وحكم، أما الإيمان؛ فهو أصالة وكينونة، أما الحضارة؛ فهي حركة وحياة، وبين القسمين فاصل كبير.

فالمسلمون كانوا أمة، وكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكوّنوا حضارة لا مثيل لها، كل هذا تاريخ لا يمكن أن يحقق شيئاً.

ولنا أن نتسائل: هل عاد المسلمون أمة، وهل هم اليوم خير أمة، وهل هم بناة حضارة، بل هل هم حماة حضارة؟

وبكل أسف يجب أن نجيب: كلا، إننا لم نعد اليوم أمة واحدة؛ لأننا نفقد الوحدة والتعاون.

ولو لم نعد خير أمة؛ لأننا لا نملك كفايتنا من العلم والإيمان.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير