تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

أخي الكريم: إن هذا الخلق النبيل من الأخلاق المؤسسة لصرح السعادة في القلوب, والطمأنينة في الصدور، وهي من الأخلاق التي قلَّ من الناس من يوفق إليها، لا سيما في هذا الزمن،رغم أنها باب من أبواب الفلاح, ومفتاح من مفاتيح الغزّة.

فعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما-أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه) (17).

وعن فضالة بن عبيد-رضي الله عنه-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً، وقنع) (18).

والقناعة عباد الله: خلق ينشأ من صفاء الإيمان في القلوب، والرضا بقضاء الله وقدره، والجزم بأن الحرص والشحَّ والبخل لا يزيد في الرزق، ولا ينقص منه، فالله-جل وعلا-قد قسم الأرزاق في الأزل, وقدرها وكتبها وما كتبه الله لا يمحى.

ثم اعلم أخي الكريم: أن المقصود من الأشياء نفعها لا ذاتها، فليس المال مقصوداً لذاته، وإنما لما وراءه من النفع، وإنما يقصد بالمال تحقيق الغنى والسعادة، وليس المال هو ما يحقق ذلك، وإنما القناعة والرضا هي التي تحقيق السعادة والراحة.

فعن أبي ذر-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- (يا أبا ذر! أترى كثرة المال هو الغنى؟) قلت: نعم يا رسول الله، قال: (فترى قلة المال هو الفقر؟) قلت: نعم يا رسول الله، قال (إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب) (19).

وقال-صلى الله عليه وسلم- (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) (20).

المحبة في الله:

أخي الكريم: إن المحبة في الله: من أركان الأخلاق وقواعدها العظيمة، فهي خلق عظيم أجره، جزيل فضله وثوابه، وتأمل عبد الله في هذا الحديث العظيم الذي يبين منزلة هذا الخلق النفيس ..

فعن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- (إن من عباد الله لأناساً ماهم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله!) قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال (هم قوم تحاّبوا بروح الله، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يونس:62) (21).

والحب في الله كما أنه سبب للرفعة والنور يوم القيامة، هو من أوسع أبواب انشراح الصدر، وزوال الهم، وإكرام الله-جل وعلا-للعبد، ومحبته له. قال-صلى الله عليه وسلم-: (وما أحب عبد عبداً إلا أكرمه الله).

وتسقى النفوس إذا اجتمعت على غير محبة الله، فحرمت من هذا الأجر العظيم والشرف الكريم:

حب في الله يوحدنا ويواس القاصي والداني

إخواني تلقاني فيهم وبقلبي تلقى إخواني

إن الأخلاق ليست شيئاً يكتسب بالقراءة والكتابة، ولا بالمواعظ والخطابة، ولكنها درجة بل درجات لا تنال -بعد توفيق الله ورحمته -إلا بالتربية والتهذيب، والصرامة والحزم، وقوة الإرادة والعزم (22).

اللهم حسن أخلاقنا، اللهم أصلحنا أحوالنا, اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.


1 - رواه أحمد والحاكم. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (2349).

2 - رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث صحيح، انظر صحيح الجامع للألباني (1621).

3 - رواه مسلم.

4 - راجع: مجموع الفتاوى (10/ 658).

5 - الطبراني في المعجم الكبير، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (906).

6 - رواه البخاري.

7 - متفق عليه.

8 - رواه مسلم.

9 - رواه الترمذي وحسنه. وصححه الألباني في الجامع الصحيح، رقم (2608).

10 - رواه البخاري.

11 - رواه مسلم.

12 - الطبراني في المعجم الصغير.

13 - أحمد (1/ 415).وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (5446).

14 - البخاري.

15 - رواه مسلم.

16 - رواه البخاري.

17 - رواه مسلم.

18 - رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (7378).

19 - رواه ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (827).

20 - رواه البخاري.

21 - رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم"3012".

22 - راجع: (أخلاق نفتقدها) بتصرف.
http://www.imam.ws/ref/272

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير