تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[من روائع التراث العربي: كتاب الإمتاع والمؤانسة]

ـ[أحمد بن موسى]ــــــــ[09 May 2008, 11:04 م]ـ

أتوج هذا المقال برفعه إلى حضرة المشرف الجليل الدكتور عبد الرحمن الشهري؛ مستخبراً عما وعدني به!

المصدر: http://www.alukah.net/Articles/Article.aspx?CategoryID=188&ArticleID=2054

كِتابٌ بديعٌ من كُتبِ التراثِ العربي المجيد، ودُرّةٌ يتيمةٌ خالدةٌ من خوالد النثر الأدبي الرائق؛ في صياغة مذهلة وتركيب عجيب، تصلحُ أن تكونَ مدرسةً في الأسلوبِ، حوتْ خصائصَ نثرِ أبي حيّان التوحيدي -أحد أكبر أدباء العربية في القرن الرابع هجري وما بعده- الذي لم يكن له حرفة سوى الوراقة والنسخ وجَوْب الأقطار وقصد وزراء دولة بني بويه [1]، لعلهم يكافئون علمه وأدبه، لكنه لم يلق منهم سوى الحرمان المر، والصد القبيح، والمعاملة السيئة، فَرَقَّ لحاله قلبُ صديقه أبي الوفاء المهندس [2]، ولان له فؤادُه، ورفرف عليه بجناحه؛ إذ كان أبو الوفاء على صلة بوزير صمصام الدولة ببغداد ابن سعدان العارض [3]، فقرّب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به، فسامره أبو حيان وخلا به ليالي متتابعةً ومختلفة تقارب الأربعين ليلة، يحدثه الوزيرُ بما يحب وبما يريد، ويلقي إليه ما يشاء ويختار، ويعرض عليه أسئلة في أمور مختلفة ويجيب عنها أبو حيان، حتى أصبح من خلصاء الوزير، وأهل مودته، يستشيره في الأمور المهمة والمدلهمة، ثم تبدلت الرأفة من أبي الوفاء حسداً لأبي حيان، والمحبة مقتاً، وكان منه لأبي حيان ما يكون عادة من التحاسد والتباغض، والمصارعة النفسية، بين المتنافسين في الاستباق إلى قلب الوزير، فهدد أبو الوفاء أبا حيان؛ بالفصل بعد الوصل، وبالوحشة بعد الأنس، وبالغفلة بعد الاهتمام؛ إن لم يطلعه على جميع ما تحاورا –هو والوزير- وتجاذبا أطراف الحديث عليه، وتصرفا في هزله وجده، وخيره وشره، وطيبه وخبيثه، وباديه ومكتومه؛ حتى يكون أبو الوفاء المهندس كأنه شاهد معهما ورقيب عليهما، أو متوسط بينهما، فما كان من أبي حيان إلا أن قال: "أنا سامع مطيع، وخادم شكور، أفعل ما طالبتني به من سرد جميع ذلك، في رسالة تشتمل على الدقيق والجليل"، ثم دوَّن أبو حيان ما دار بينه وبين الوزير في كل ليلة على غرار ليالي ألف ليلة وليلة، ولكنها ليست ليالي اللهو والطرب، بل ليالي الفكر والأدب، فكان هذا الكتاب؛ كتاب الإمتاع والمؤانسة، نفث فيه أبو حيان كل ما في نفسه من جدٍ وهزل، وغثٍ وسمين، وشاحبٍ ونضير، وفكاهةٍ وطيب، وأدبٍ واحتجاج، واعتذارٍ واعتلال واستدلال، وأشياء من طريف الممالحة، مما يضحك السن، ويفكه النفس، ويدعو إلى الرشاد، ويدل على النصح، ويؤكد الحرمة، ويعقد الذمام، وينشر الحكمة، ويشرف الهمة، ويلقح العقل، ويزيد في الفهم والأدب.

ولم يرضَ أبو الوفاء المهندس من أبي حيان بتأليف الكتاب وحسب، بل أراد أيضاً أن يكون الكتاب على تباعد أطرافه واختلاف فنونه مشروحاً، واللفظ خفيفاً لطيفاً، وأن يعمد إلى الحسن فيزيد في حسنه، وإلى القبيح فينقص من قبحه؛ وألا يومئ إلى ما يكون الإفصاحُ عنه أحلى في السمع، وأعذبَ في النفس، وأعلق بالأدب؛ ولا يفصح عما تكون الكناية عنه أستر للعيب، وأنفى للريب؛ وألا يعشق اللفظ دون المعنى، ولا يهوى المعنى دون اللفظ، وألا يبالي إذا طال، وألا يكترث إذا تشعب، فإن الإشباع في الرواية أشفى للغليل، والشرح للحال أبلغ إلى الغاية، وأظفر بالمراد، وأجرى على العادة، وأن يقصد الإمتاع بجمعه ونظمه ونثره، والإفادة من أوله إلى آخره؛ فلعل هذه المثاقفة تبقى وتُروى، ويكون في ذلك حسن الذكرى ...

والكتاب ممتع مؤنس كاسمه لمن له مشاركة في فنون العلم، وفي تقسيمه إلى ليالٍ ما جعله لذيذاً شائقاً، ومتنوعاً تنوعاً ظريفاً، لا يخضع لترتيب ولا لتبويب، وإنما يخضع لخطرات العقل، وطيران الخيال، وشجون الحديث، في نغمةٍ ناغمة، وحروف متقاومة؛ ولفظٍ عذب، ومأخذٍ سهل؛ ومعرفة بالوصل والقطع، ووفاء بالنثر والسجع؛ وتباعدٍ من التكلف الجافي، وتقاربٍ في التلطف الخافي، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن، من أدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث ولغة وسياسة وتحليل شخصيات وتصوير للعادات، أبانت عن اطلاع فذ، وتبحر في العلم والمعرفة عجيب، كما أبانت عن عبقريّةٍ لا مثيلَ لها في

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير