تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

والعسكري معظمين في الجملة لدين الإسلام آخذين بأسبابه في كثير من أمورهم الدينية والدنيوية فكانت مدنيتهم مزدهرة تبعا لأخذهم بجملة وافرة من أسباب الشريعة وإن فرطوا في جملة أخرى كانت سببا في تسلط عدوهم عليهم بمقتضى سنة التدافع الكونية، وأما اليوم فتعظيم الديانة أضعف، والتفريط أعظم، والتخلف المدني تبعا لذلك أظهر، لا لكوننا مسلمين، كما يروج العلمانيون، فإن الدين عماد أي حضارة إنسانية بمعناها المتكامل الذي يشمل العلوم والأعمال والسياسات والأخلاق بالإضافة إلى المدنية التي يصورها بعض المغرورين بمدنية أوروبا على أنها هي الحضارة، مع أنها جزء لا يحتل الصدارة في شأن إنساني عماده السلوك قبل الآلة، فإن الآلة لو وقعت في يد من لا حضارة له بمفهومها الإنساني فلن نرى إلا إفسادا من جنس إفساد القوى العظمى في بلاد الشرق المسلم من لدن غزت أوروبا العالم الإسلامي بعد انهيار خلافة آل عثمان الجامعة، فليس دفاع المسلمين عن قيمهم الدينية إفقارا للذات كما يقول ذلك الداعية إلى الانفتاح الكامل على الغرب، بل هو صيانة لحصون المسلمين الفكرية من غارة الغرب النصراني على الأديان والأبدان معا، فإن لم نقدر على مقارعته بالأبدان لفارق التسليح، فلا أقل من صد عدوانه على الأديان بما يبثه من شبهات علمية وشهوات عملية في صفوف المسلمين فضلا عن شرائه كثيرا من الذمم الخربة التي تشارك بفعالية في إعادة صياغة توجهات المسلمين الفكرية في هذه المرحلة بما ينسجم مع مخططات الغرب.

ومن استدلالاته العجيبة في هذا الشأن، والتي تدل على تكلف ظاهر في تفسير أحداث تاريخية لا علاقة لها ألبتة بتوجهاته فلم يخطر ببال أصحابها ما خطر بباله، من تلك الاستدلالات:

استدلاله ببيت شعر للأمير عبد الرحمن الداخل، رحمه الله، فتى بني أمية الشريد، وصقر قريش الجسور، قاله لما رأى نخلة في رصافة قرطبة فأثارت في نفسه الشوق إلى دمشق فأنشد:

تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ******* تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فذلك من أدلة انفتاح المسلمين على بقية الحضارات لأنه أنشد ذلك البيت في إسبانيا، وهي دولة أوروبية وهو أمير من الشرق المسلم!، فهل هذا دليل على أن الداخل، رحمه الله، كان من أنصار العولمة؟!، وحتى الشجرة التي أثارت في نفسه هذا الشجن لم تكن شجرة أوروبية بل هي من النخيل الذي جلب المسلمون بذوره إلى الجزيرة الأندلسية التي كانت آنذاك أرضا إسلامية فلم يكن عبد الرحمن لاجئا سياسيا في إسبانيا بل كان أميرا للجماعة المسلمة، ولم يكن للحضارة الأوربية، ولم يكن لهم آنذاك حضارة أصلا ولو بمفهومها المدني الضيق!، لم يكن لها أي دور في رجاحة عقله أو جودة لسانه فهو شخصية إسلامية المنبت والتكوين والنشأة، فتلك العبقرية السياسية والعسكرية، وتلك الإرادة الحديدية التي أقام بها فتى هارب لم يكمل العشرين زمن فراره من الشام والسادسة والعشرين زمن جوازه إلى الأندلس، ملكا عريضا في تلك البلاد البعيدة، تلك العبقرية والإرادة: إسلامية محضة كسائر الصور المشرقة في تاريخ المسلمين فتأثرها بغيرها معدوم أو محدود في إطار ما ينتفع به من المعارف الدنيوية التي لا يحصل بها التمايز بين الأمم، وإنما تتمايز الأمم بمعارفها الإنسانية ولا تكون تلك المعارف نافعة إلا إذا تلقتها النفوس بالقبول من مشكاة النبوات.

رحم الله الداخل مقدم دولة بني أمية في دورها الثاني فإنه لم يكن من المنهزمين نفسيا مع عظم الخطب الذي لاقاه، وليت لنا معشار ما له من العزم والإرادة.

والله أعلى وأعلم.

ـ[كرم مبارك]ــــــــ[19 - 02 - 2010, 11:21 م]ـ

أنت عبقري يا أخي مهاجر

سلمت يمينك

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير