تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[الإنطباع الأول لك أو عليك؟]

ـ[ابن فرات]ــــــــ[25 - 11 - 09, 10:04 م]ـ

المشهد (1):

أبو سالم: هل رأيت جارنا الجديد؟

أبو فهد: نعم الرجل الطويل الذي يمتلئ وجهه عبوساً ويكاد من فرط أعصابه ينفجر، بصراحة لم أستسيغه!.

أبو سالم: هل أنت تعرفه منذ وقت طويل؟

أبو فهد: لا لم أرهُ إلا مرة واحدة وكان على عجلة من أمره وهو يصرخ في وجه أحدهم!

المشهد (2):

أحمد: سلمت اليوم على زميلنا الجديد في الإدارة أمام المصعد، ووجدته أنساناً مهذباً.

خالد: أجل أقاسمك الشعور قبل أن أتعرف عليه فأنا أشعر أنه محترم ولطيف.

الإنطباع الأول الذي يتكون في ذهنك عن أي إنسان لا يُمحى عادة بسهولة، وكذلك الإنطباع الذي يتكون في ذهن أي إنسان عنك، وللطباع المختلفة لبني آدم اليد الطولى في نقش الإنطباع الأول على صخرة الفِكر، لأن الإنسان المبادر النشط مثلاً لا يستسيغ الإنسان الهادئ جداً والعكس ربما يكون صحيحاً، ولكن بشكل عام هناك صفات منفرة وصفات محببه يشترك فيها السواد الأعظم من الناس.

لذلك تجد من نفسك سرعة إصدار حكم على شخص لا تعرفه جلست معه لمدة 5 دقائق، فمثلاً لوالتقيت في أحد المجالس برجل تراه لأول مرة فكان الرجل عالي الصوت وكثير المقاطعة والقهقهة والحركة وبعد أيام سُإلت عنه فماذا سيكون جوابك؟

من المؤكد أنك ستقول: رجلٌ فظٌ نوعا ما وغير متحفظ أو معنىً كهذا!

هذا وأنت لم تجلس معه إلا 5 دقائق، فإذا رأيته بعد مدة ووجدته صامتاً رزيناً لقلت: ربما أن هناك عارض كدره، إذ أن الأصل في ذهنك هي الصورة الأولى وما عداها عارض ولن تُمحى تلك الصورة بسهولة، وربما لو أنك تعاملت معه أكثر وعرفته عن قرب لوجدت الكثير من الأدلة الدامغة على خطأ حكمك ولكن قبل أن يبرح الخفاء لا مفر من سطوة الإنطباع الأول.

وهذا أمر أشهر من فلق الصبح وعلى سبيل المثال تجد أن هناك ما يسمى بالمقابلة الشخصية للحصول على وظيفة ما، وربما لم تُقبل بالوظيفة رغم انطباق الشروط عليك واجتيازك جميع الإختبارات الخاصة بها، لأنك لم تنجح بالمقابلة الشخصية التي تعتبر نافذة على شخصيتك وانطباع أول عنك حتى ولو كان هذا الإنطباع في غير محله إلا أننا لا ننكر حقيقة وجوده وواقعيته.

والمستقرئ لفراسة العرب يجد أنها تقوم على أساس الإنطباع الأول، والفراسة في اللغة هي التثبت والنظر وفي اصطلاح أهل الحقيقة هي مكاشفة اليقين، والفراسة والتوسم بمعنى واحد، جاء في ذلك قول الله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين}. قال مجاهد: للمتفرسين.

وقال طريف العنبري:

أوكلما وَرَدَتْ عكاظَ قبيلةٍ ... بَعَثَتْ إلي عريفَها يَتَوسمُ (أي يتفرس ويطلب العلامة)

ومن باب الاستطراد حُكىَ عن الإمام الشافعي أنه رحل من الحجاز الى اليمن لأخذ علم الفراسة منهم فمكث عندهم ما شاء الله له أن يمكث ثم رجع وفي طريق عودته وقبل غروب الشمس بقليل رُفِعَ له خباء بعيد وعندما اقترب منه رأى رجلاً قصيراً صغير العينين وأحدب الظهر وسريع المشي، فقال في نفسه: الآن أختبر صحة فراسة أهل اليمن فحسب الدلائل الظاهرة من الرجل ينبغي أن يكون بخيلاً!

سلم الشافعي فرد الرجل بأحسن سلام وأنزله أحسن منزل بعد أن أنزل رحله وفرش له تلك الفرش الوثيرة ولم يزل يرحب به وبعد قليل أتاه بصحن فيها دجاجة مشوية وكوز ماء بارد، فكان كحال المقنع الكندي القائل:

وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً ... وما شيمةٌ لي غيْرَها تُشْبِهُ العبدا

أكل الشافعي وأجراس الغرابة تدق في رأسه: أمن المعقول أن يسقط علمهم في أول اختبار؟ .. لالا أظن، ولكن الرجل بالغ في الكرم والسماحة ولم يظهر الى الآن لي عكس ذلك.

وبعد الأكل أصلح الرجل ما ينام عليه الشافعي فنام الشافعي نوماً هنيئاً من جراء السفر والتعب، وعند استيقاظه لصلاة الفجر وجد الرجل قد حضر له الماء الدافئ للوضوء فصليا ثم قدم له ما يأكله فأكل ثم جاء بناقته فقام الشافعي يشكر الرجل على حسن صنيعة وعندما ودع الرجل وهم بركوب ناقته قال الرجل: الى أين تذهب وأنت لم تعطني أجر ما قدمته لك، أتظنني جعلت منزلي سبيلاً لكل طارق وعابر؟

أخرج ثمن مبيتك ومبيت ناقتك وعشاءك البارحة وما أكلته قبل قليل ولم يدع صغيرة وكبيرة إلا أحصاها!!

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير