تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

نظرية ولاية الفقيه المعصوم بلسان الحال إن لم يكن بلسان المقال!، بل خلعوا على الأئمة كثيرا من أوصاف الربوبية كادعاء علم الغيب وتسيير أحداث الكون وحساب الخلق في دار الجزاء ....... إلخ، وسرى كذلك إلى مقالة الغلاة من أهل الطريق ممن ظن في شيوخه العصمة بل النبوة، بل الربوبية، لا سيما من انتحل مقالة الحلول والاتحاد، فكل أولئك: جوزوا العصمة لغير الأنبياء عليهم السلام، فصيروا قول المعصوم في دينهم مضاهيا لقول الرسول، فهما على حد واحد، فإذا تعارضا نسخ المتأخر منهما المتقدم، والمتأخر، بداهة، قول المعصوم المزعوم، إذ لم يحدث أصلا إلا بعد ارتفاع النبوة!، وحسبك بذلك دليلا على بطلانه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

والثاني: أنها حادثة بعدهم، كما تقدم، فلو كانت خيرا ما غفلوا عنها، لا سيما إن كانت تعارض أصلا من أصولهم فضلا عن أن تعارض مقالتهم بالكلية كمقالة التثليث في دين النصارى المحدث، إذ ذلك مما ينقض بداهة عرى التوحيد: دين الرسل عليهم السلام.

يقول ابن تيمية رحمه الله:

"الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما يستحقونه من التعظيم دون الأمة الوسط أهل التوحيد المتبعين لشريعة الرسول.

وبيان ذلك بأمور منها أن النصارى يقولون أنهم يعظمون المسيح وكذلك الغالية في علي أوالأئمة أو الشيوخ أو غيرهم وهم في الحقيقة منتقصون لهم فإن المسيح عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وأخبرهم أنه عبد الله

فهم إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم ويكونون سعداء أولياء الله تبارك وتعالى من أهل الجنة وإذا غلوا فيه واتخذوه ربا انقطع ثواب العمل الصالح الذي كان يحصل بتوحيدهم وطاعتهم وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم وإن كان هو سليما من العذاب لكن فوتوه الأجر الذي كان يحصل له بتوحيدهم وطاعتهم.

وأما أهل الاستقامة فهم إذا وحدوا الله تعالى وعبدوه كما شرعته لهم الرسل وأطاعوهم صاروا أولياء الله تعالى مستيقنين لثوابه وحصل للرسول بالذي دعاهم مثل أجورهم وكان في هذا من التعظيم للرسل ما ليس في طريق الغلاة". اهـ

"الرد على البكري"، ص326، 327.

فالانتساب إلى الأنبياء عليهم السلام مع مخالفة طريقتهم: لا يكفي في حصول النجاة، فكل يدعي تعظيم الرسالات، ويدعي توقير وتعزير المرسلين، عليهم السلام، مع أن كثيرا من أولئك يقدحون فيهم، إذ نسبوا إليهم من أوصاف القدرة ما ليس لهم، فإذا ما ظهرت بشريتهم الحقيقية في مقابل ما يزعم الغلاة فيهم من القدرات الخيالية، كان ذلك ذريعة إلى انتقاصهم، إذ من يغلو كثيرا يجفو كثيرا إذا ما ظهر له فساد تصوره، فمعظمه ليس على حد ما تصوره واعتقده، واعتبر بحال أوروبا الكنسية التي كانت شديدة الغلو في تعظيم الكنيسة ورجالاتها، فهي التي تعطي وتمنع، وتنجي وتهلك، وتخضع لرجالاتها أباطرة أوروبا، وهي مصدر التلقي الوحيد فعلومها أدق العلوم، وأعمالها أصلح الأعمال للأديان والأبدان وهي التي يستأثر رجالاتها بأوصاف العفة والفضيلة ولو سقطوا في حضيض الرذائل والموبقات ......... إلخ، ولما ظهر لأوروبا شيئا فشيئا: عوار الكنيسة وفساد حال رجالاتها المتسلطين على العقول بالإضلال، وعلى الأبدان بالإهلاك باسم الدين، جاء رد الفعل في غاية الجفاء فمن التعظيم المطلق إلى التنقيص المطلق، ومن قمة الإيمان بأفكار ومعتقدات الكنيسة، ولو كانت محالات تأباها العقول الصريحات، إلى قمة الإلحاد، ومن الثقة التامة بعلوم الكنيسة الإنسانية والتجريبية إلى التهكم والسخرية من علومها الكهنوتية، والتحول الكامل إلى العلوم التجريبية واعتبارها الغاية العظمى من وجود النوع الإنساني، والإعراض الكامل عن العلوم الإلهية واعتبارها قصصا فلكلوريا هو ميراث الأجداد والجدات اللاتي يقصصنه على الأحفاد قبل أَنْ يَأْوُوا إلى فرشهم!. واعتبر بحال الغلاة في آل البيت، رضي الله عنهم، وقد كان غلوهم في علي، رضي الله عنه، ذريعة إلى وقوع كثير منهم في الإلحاد الصراح، إذ اعتقدوا فيه ابتداء ما ليس له من أوصاف: الوصي المعصوم ........ إلخ، ثم نظروا في حاله فلم يروه ادعاها لنفسه، ولم يروه إلا عاجزا عن افتكاك حقه المغصوب!، بزعم أولئك، فعاد وصفه بلازم كلامهم على أصل دينهم

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير