تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

(العرب عاشوا في باديتهم المقفرة مئات السنين، وهم يعرفون الخيرات في الشمال، فلماذا لم ينطلقوا إلى هذه المواقع الخصبة من قبل؟! وإذا قيل إنهم كانوا يخشون الفرس والروم ثم ضَعُفَ هؤلاء فخرجوا، فإن هذا مردود ... فقد بقي العرب يخافون الروم والفرس حتى كتب الله لهم النصر باليرموك والقادسية .. ومات أعظم قائد في تاريخ الإسلام، خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو لا يملك من حطام الدنيا غير فرسه وغلامه وحسامه فقط، فأين الغنائم؟).

الاحتفاء بذكرى الأمويين!

وهكذا يمضي المؤرخ شوقي أبو خليل في إيراد الكثير من الشواهد على غياب الدقة العلمية في هذا الكتاب، الذي يزدري فيه المؤلف ـ كما هو واضح- الفتح الإسلامي لدمشق، ويغازل ذكرى الأمويين العطرة، بسبب تأثرهم بالثقافة المسيحية في دمشق، واعتمادهم على إدارات وكوادر مسيحية يتوهم لها دوراً أكبر مما كان لها في البلاط الأموي ... وفي هذا تغييب للهوية الإسلامية التي رسخها الأمويين في دمشق، والتي كانت ترى في التسامح مع أصحاب الذمة من أبناء الأديان السماوية الأخرى، واجباً دينياً تفرضه تعاليم الدين الإسلامي، وليس سلوكاً سياسياً هدفه استثمار منجزات الثقافية المسيحية الشامية في تلك الفترة.

لقد لفت احتفاء المؤلف جوزيف نصر الله، بذكرى الأمويين (العطرة) كما يسميها في هذا الكتاب، تعاطف الروائي خيري الذهبي، الذي تحمس لنشره على نطاق واسع، على اعتبار أن ما كتب عن الأمويين وتاريخهم، كتب بيد وفي عهد أعدائهم ... وقد اقتفى الذهبي في ذلك تقليداً دمشقياً أصيلاً في الاحتفاء بذكرى الأمويين ... إذاً كان الهدف نبيلاً ومشروعاً ... لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أبسط معايير كتابة التاريخ، وتلك الأخطاء الفاحشة التي وقع فيها المؤلف حتى في تحديد مواقع معارك وأسماء قادة ووجهات جيوش ... فإن قيمة الكتاب ستنهار دون شك، وستنهار معها، كل الاستدلالات التي حاول المؤلف المعاصر (جوزيف نصر الله) أن يصل إليها ... من دون أن يدرك، أن تقديم قراءة جديدة لأي حقبة تاريخية هو أمر مشروع تماماً، شريطة أن يتحلى بمعرفة تلك المرحلة معرفة دقيقة أولاً، واتباع القواعد العلمية لقراءة التاريخ واستنباط معانيه ودلالاته تالياً!

أما جهد المؤرخ الدكتور شوقي أبو خليل في نقد الكتاب، من خلال تأليف كتاب مستقل لهذه الغاية، فهو يبقى اجتهاداً يستحق الاحترام والتقدير، لأنه ناقش الكتاب وفق مقاييس علم التاريخ، وليس بناء على حساسيات وعصبيات دينية ... وبالتالي أثبت بالوقائع أن روح التعصب التي تعصف بمؤلف الكتاب، هي التي قادته إلى أن يضل في استنتاجاته ويضلل، كما أسقطت قيمة جهده العلمي، حين كتب بلا معرفة، فأسقط حقه في تقديم أية قراءة تستحق الاحترام بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع تفاصيلها الجزئية!

ولعل هذه المعركة تكشف في النهاية، أن مكانة دمشق الرفيعة في التاريخ القديم والمعاصر، وفي وجدان أبنائها وعشاقها، ستبقى موضع احتفاء واحترام من الجميع ... وستبقى حالة ثقافية يصعب العبث بها، أو النيل من معطياتها ... وما هذا الحرص الشديد والصارم على ألا يشوه تاريخها العربي والإسلامي وألا يُزدرى، إلا صورة من صور الاحتفاء والاحترام بكل تأكيد.

هوامش

(1) جوزيف نصر الله: (منصور بن سرجون التغلبي المعروف بالقديس يوحنا الدمشقي أو الفتح الإسلامي لمدينة دمشق وأسبابه)، نقله بتصرف إلى العربية الأرشمنديت أنطون هبي، تقديم وإعداد: خيري الذهبي، سلسلة (آفاق ثقافية دمشقية) الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة- دمشق: 2008

(2) خيري الذهبي: البعض اصطاد في الماء العكر .. لا أكثر، جريدة (بلدنا) 3/ 8/2008

(3) شوقي أبو خليل: (هكذا يكتبون تاريخنا: يوحنا الدمشقي أنموذجاً) ط1، دار الفكر- دمشق: 2008

المصدر: سوق الكتبيين لبيع وشراء الكتب المستعملة والجديدة ( http://www.alkutubiyeen.com/vb/showthread.php?t=1198)

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير