تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

والمهم في الحوار أن يعلم الذي تحاوره أن لديك برهانًا ساطعًا، وحجة قوية، وإذا لم يقتنع بأن ما عندك حق وما عنده باطل، فهذا لا يعني أنك أخفقت في هذا الحوار، وحتى لو لم يتراجع أهل الباطل عن باطلهم -بعد محاورتهم- فلا بد أن يفتر حماسهم له، أو ربما شكوا فيه، أو تراجعوا عنه ولو بعد حين، هذا إذا راعى أهلُ الحق معهم أدبَ الحوار وقواعده وأصوله؛ بأن يكون الحوارُ حول نقطة محددة يتم التركيز عليها، وأن يكون الحوارُ بعد الاتفاق على الأصول، ثم الفروع؛ لأن الحوار في الفروع قبل الاقتناع بالأصول ضياع للوقت.

وينبغي للمحاور -إذا أراد أن يكون حوارُه ناجحًا: أن يتحلى بصفات المحاور الناجح؛ كأن يكون متواضعًا هادئًا سلسًا، حسن الإلقاء، بعيدًا عن رفع صوته، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم -كما نقلت عائشةُ رضي الله عنها- يُحدِّثُ حديثًا لو شاء العادُّ أن يُحصِيَه لأحصاه، لم يكن يسرِدُ الحديثَ كسردِكم [2] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftn2).

وعلى المحاور كذلك: أن يُرتِّب أفكاره التي سيطرحها على محاوره، وأن يكون ذا علم وفهم، حتى لا يخذل الحقَّ بضعف علمه، وحتى لا يقتنع هو بالباطل الذي مع خصمه، لجهله وضعف علمه، لذلك لا يكفي أن يكون الحق مع المحاور! بل لا بد أن يكون عنده العلمُ والفهم. وأن يكون هم المحاور طلب الحق وإيصاله للآخرين، وليس الانتصار للنفس، يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "ما ناظرتُ أحدًا قط، إلا أحببتُ أن يوفَّق ويسدّد ويعان ويكون عليه رعايةٌ من الله وحفظ، وما ناظرت أحدًا، إلا ولم أبالِ بيّن اللهُ الحق على لساني أو لسانه" [3] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftn3).

ولنستمع إلى هذا الحوار الطريف الذي جرى بحضرة الإمام أحمد؛ وذلك أن الشافعي وإسحاق تناظرا في جلود الميتة إذا دُبِغَت، أتطهر أم لا تطهر؟

فقال الشافعي: دباغ جلود الميتة طهورها، فإذا دبغ جلد الميتة طهر.

قال إسحاق: ما الدليل؟

قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلا انتفعتم بجلدها؟)). قالوا: إنها ميتة، فقال: ((إنما حرم أكلها)) [4] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftn4).

قال إسحاق: دليلي على أن جلود الميتة لا تطهر: حديث عبد الله بن عكيم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قبل أن يموت بشهر: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) [5] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftn5)، يعني لا بجلد ولا بعظم، وهذا يمكن أن يكون ناسخًا؛ لأنه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر.

قال الشافعي: هذا كتاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وذاك سماع، والسماع مقدّم.

فقال إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم، وكان ذلك حجة عليهم عند الله تعالى.

فسكت الشافعي، وذهب الإمام أحمد بعد تلك المناظرة إلى حديث عبد الله بن عُكَيْم وقال به [6] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftn6).

وهذا يدل على تجردهم وسعيهم للوصول إلى الحق.

ومن قواعد الحوار: أن يعطي المحاورُ لمحاورِهِ فُرصةً للحديث، وأن يُصغِي إليه، وأن يُحسِن الاستماع إليه، وأن ينتظره حتى يتمّ حديثه، وأن يتذكَّر أن الله جعل له لسانًا واحدًا، وجعل له أُذُنَيْن؛ حتى يسمع أكثر مما يتكلم.

وعلى المحاوِر: أن لا يحمّل كلام محاوره من الضخامة والتهويل ما لا يحتمل ذلك، وأن لا يعتدي في وصف محاوره، كأن يقول مثلا: أنت سخيف، أو أنت جاهل، أو غير ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء)) [7] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftn7).

وينبغي للمحاور: أن يكون مُنصِفًا باحثًا عن الحقيقة أنَّى وُجِدَت، فالحكمةُ ضالةُ المؤمن أنَّى وَجَدَها التقطها، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل، كما قال عمر بن الخطاب.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

ـــــــــــــــــــــــ

[1] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref1) أخرجه أحمد (24204).

[2] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref2) أخرجه البخاري (3568)، ومسلم (2493) من حديث عائشة.

[3] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref3) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (9/ 118)، وانظر: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (1/ 172).

[4] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref4) أخرجه البخاري (1492)، ومسلم (363) من ابن عباس.

[5] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref5) أخرجه أبو داود (4124)، والترمذي (1729)، والنسائي (4249)، وابن ماجه (3613)، من حديث عبد الله بن عكيم، قال الترمذي: هذا حديث حسن، اهـ.

[6] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref6) انظر القصة بتمامها في طبقات الشافعية الكبرى (2/ 92،91).

[7] ( http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx#_ftnref7) أخرجه ابن أبي شيبة (30338)، وأحمد (3839)، والبخاري في الأدب المفرد (312)، والترمذي (1977)، وابن أبي عاصم في السنة (1014).

المصدر: http://www.alukah.net/articles/1/5593.aspx

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير