تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

استدل المعتزلة على نفي الرؤية بآيات منها قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} (الأنعام: 103) قالوا: ومتعلق الإدراك المنفي إدراك البصر فكان ذلك ظاهرا في نفي الرؤية.

وأجاب العلماء عن ذلك بأن المنفي هو الإحاطة لا مطلق البصر، بمعنى أن رؤية المؤمنين ربهم لا تعني أنهم يحيطون به سبحانه، ولا أنهم يدركون برؤيتهم له حقيقة ذاته، وممن ذهب إلى هذا التفسير ابن عباس رضي الله عنهما حين عارضه سائل بقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} (الأنعام: 103) فقال له: ألست ترى السماء؟ فقال: بلى، قال: أتراها كلها؟ قال: لا. فبين له أن نفى الإدراك لا يقتضى نفى الرؤية.

وعن قتادة في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} قال: " هو أجل من ذلك وأعظم أن تدركه الأبصار" وعن عطية العوفي في تفسير الآية قال:" هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" فإذاً المعنى أنه يُرى ولا يُدرك ولا يُحاط به، فقوله: {لا تدركه الأبصار}، يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية ".

ومما استدل به المعتزلة على نفي الرؤية، قوله تعالى: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} (النساء: 153)، يقول الجاحظ المعتزلي في رسائله:" قد رأينا الله استعظم الرؤية استعظاماً شديداً، وغضب على من طلب ذلك وأراده، ثم عذب عليه، وعجب عباده ممن سأله ذلك، وحذرهم أن يسلكوا سبيل الماضين، فقال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة} فإن كان الله تعالى - في الحقيقة - يجوز أن يكون مرئياً، وببعض الحواس مدركاً، وكان ذلك عليه جائزاً، فالقوم إنما سألوا أمراً ممكناً، وقد طمعوا في مطمع، فلم غضب هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام، وضرب به هذا المثل، وجعله غاية في الجرأة وفي الاستخفاف بالربوبية ".

والجواب على ذلك أن الله غضب عليهم هذا الغضب، واستعظم سؤالهم هذا الاستعظام لكونه وقع على سبيل التعنت، والربط بين إجابة سؤالهم والإيمان به سبحانه، كما في الآية الأخرى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} (البقرة:55) فالله غضب عليهم لا لأن رؤيته غير جائزة، بل لأنهم ربطوا بين إيمانهم به سبحانه وبين رؤيته، وهذا منتهى التعنت والاستهتار.

ومما استدل به منكرو الرؤية قوله تعالى: {وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} (الفرقان:21) قالوا: ألا ترى أن الله قد عدَّ قول الكفار " أو نرى ربنا " من أسباب الكفر والعتو، أليس في ذلك أعظم الأدلة على امتناع رؤيته سبحانه واستحالتها.

والجواب على ذلك كالجواب على سابقه، بدليل قولهم: {لولا أنزل علينا الملائكة}، فهل يقول قائل: إن نزول الملائكة على البشر ممتنع ومستحيل بهذه الآية؟!! كلا لا يقول بذلك أحد، حتى الذين ينفون الرؤية، لأن نزول الملائكة على بعض البشر ثابت بأدلة الشرع ولا يمنعه العقل، وإنما عدّ الله ذلك من أسباب الكفر والعتو لإعراضهم عن الحق رغم وضوحه، وتوقفهم عن الاستجابة له حتى يحصل لهم ما طلبوا من تلك الآيات.

والآية السابقة إنما وردت في سياق ذكر تعنت المشركين وفرضهم شروطا مسبقة على إيمانهم، وليس لأن المشركين طلبوا رؤية الله بدافع الشوق والرغبة، يقول الإمام الطبري في تفسير الآية:" يقول تعالى ذكره: وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا، ولا يخشون عقابنا: هلا أنزل الله علينا ملائكة، فتخبرنا أن محمدا محق فيما يقول، وأن ما جاءنا به صدق، أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك، كما قال جل ثناؤه مخبرا عنهم {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} (الإسراء:90) ثم قال بعد {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} (الإسراء: 92) يقول الله: لقد استكبر قائلوا هذه المقالة في أنفسهم، وتعظموا، {وعتوا عتوا كبيرا} يقول: وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حدَّه ".

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير