تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[إمام أهل البصرة الحسن البصري]

ـ[أبو الخير صلاح كرنبه]ــــــــ[18 Aug 2008, 04:11 م]ـ

إمام أهل البصرة

االإمام الزاهد: الحسن البصري

عظيم أن يولد الإنسان في بيت تقى وصلاح، وأعظم منه أن يكون البيت بيت علم وهداية، فما بالك أخي القارئ لو كان البيت بيًتا قرآنيًا، فيه القرآن تلي وقرأ،وعلى أصحابه تنزل، وما بالك لو كان البيت لإحدى أمهات المؤمنين؟ هكذا ولد صاحب هذه الترجمة، فقد كان مولده في بيت أم سلمة رضي الله عنها، إذ كانت أمه مولاة لها، وزاده قدر الله ميزة أخرى، فلم يكن بيت أم سلمة رضي الله عنها مولده فحسب، بل لقد كان حجرها غطاءه، وصدرها سقاءه، فأدفته بصدرها، وأرضعته لبنها، وشاء الله أن يدر

له منها لبنًا، فكان لبنًا مباركًا، غدى به ذرب اللسان، قوي الحجة والبيان، إن تحدث فجدير لأن يسمع له، وإن سئل فجدير بأن يجيب، إن وعظ علا صوته، وجرى دمعه، وبدا إخلاصه، فيظهر على الناس الأثر، يسبق فعله كلامه، كما يسبق ضوء الفجر وهج الشمس.

أمور كثيرة هي التي منَّ الله عليه بها فرفع بين الناس، وإن لم يكن ذا نسب رفيع، لكنه رفعه علمه وفضله وتقاه، طلب الحكام منه النصيحة فنصحهم، والعظة فوعظهم، وأعطوه أجرًا فرده وزجرهم، فهو لا يريد من البشر أجرًا إنما كان شعاره " إن أجري إلا على الله " (هود/9)، فنعم الأجر هو، ونعم الرجل كان، أتدري من هو صاحب هذه الترجمة؟ إنه حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، إنه الحسن،وما أدراك ما الحسن؟ ‍ إنه الحسن البصري.

نسبه:

هو أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن بن يسار، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وكان يسار من سبي حسان، سكن المدينة، وأعتق وتزوج في خلافة عمر رضي الله عنه بأم الحسن وأسمها خيرة، كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة المخزومية.

نشأته:

ولد الحسن رحمه الله لسنتين بقيتا من خلافه عمر رضي الله عنه وذهب به إلى عمر فحنكه، ولما علمت أم المؤمنين أم سلمة بالخبر أرسلت رسولاً ليحمل إليها الحسن، وأمه لتقضي نفاسها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، فلما وقعت عينها على الحسن وقع حبه في قلبها، فقد كان الوليد الصغير قسيمًا وسيمًا، بهي الطلعة، تام الخلقة، يملأ عين مجتليه، ويأسر فؤاد رائيه، ويسر عين ناظريه، وسمته أم المؤمنين رضي الله عنها بالحسن، ولم تكن البشرى لتقتصر على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب؛ بل عمت الفرحة دار الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، فهو مولى أبيه.

وكان كرم الله على الحسن أن نشأ في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وكانت أمه تتركه عند أم المؤمنين، وتذهب لقضاء حوائجها، فكان الحسن إذا بكى ألقمته أم المؤمنين ثديها، فيدر عليه لبنًا بأمر الله، على الرغم من كبر سنها فضلا عن أنه لم يكن لها ولد وقتها، فكانت أم سلمة رضي الله عنها أمًا للحسن من جهتين: الأولى كونها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أم له وللمؤمنين، والثانية كونها أمًا له من الرضاعة.

ولم يكن الحسن رضي الله عنه قاصرًا في نشأته على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب؛ بل كان يدور على بيوت أمهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ، وكان هذا داعيًا لأن يتخلق الغلام الصغير بأخلاق أصحاب البيوت، وكان هو يحدث عن نفسه، ويخبر بأنه كان يصول ويجول في داخل بيوتهنَّ رضي الله عنهنَّ حتى أنه كان ينال سقوف بيوتهنَّ بيديه وهو يقفز فيها قفزًا.

زهده:

عاش الحسن رضي الله عنه دنياه غير آبه بها، غير مكترث لها، لا يشغله زخرفها ولا يغويه مالها، فكان نعم العبد الصالح، حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، فقيهًا زاهدًا، مشمرًا عابدًا، وفي هذا يقول: إن المؤمن يصبح حزينًا ويمسي حزينًا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة، الكف من التمر والشربة من الماء، وقال عنه إبراهيم بن عيسى اليشكري: ما رأيت أحدًا أطول حزنًا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وقال عنه علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، فمنهم الحسن.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير