تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

لكن هذا الوضع، على خطورته، آيل إلى زوال بفعل تطوّر وسائل الاتصال و هو على كل حال لا يصلح أن يفسر ظاهرة بلغت من التفشي عموم الكتّاب المقيمون في الغرب الأوروبي والأمريكي.

ما لا يمكن أن يُنكَر أن الحرية السياسية خاصة ضمانةٌ تساعد على الإنتاج الحر في مجال الكتاب لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق حراك تجديدي يتجاوز هذا التكرار المملّ لذات المواضيع سواء أكانت من مداخل تراثية أم تحديثية.

هناك إذن خللٌ ما يجعلنا نعيد إنتاج أنفسنا برتابة قاتلة، خلل يعطّل حركة الأفكار وطاقتها الإبداعية لدى كتّاب العربية ومؤلفيها.

ما نراه أصوب في فهم هذه العطالة الإبداعية هو التفسير الثقافي الذي كثيرا ما يُحجَب عن الرؤية نتيجة التركيز على العامل السياسي.

ما نعنيه، هو أنّه إلى جانب الشرعية السياسية التي يمكن أن تفسر جانبا من قصورنا التجديدي فإن غياب مشروع فكري لدى النخب العربية أهم للاقتراب من الظاهرة. إنه غياب يوقع في تأتأة فكرية تجعل تلك النخب تعيد إنتاج نفسها قاطعة الطريق على أي شغف بالقراءة والمطالعة.

أكثر من ذلك، فإن هذا المأزق الثقافي ممّا يقوّي من انتشار ضروب العنف المختلفة في أكثر من مجتمع عربي. يبدأ عنفا لفظيا وبذاءة لسان ليصل إلى حالات من التسيّب الإجرامي القاتل المهدد لمدنية المجتمع.

المعضلة في بعدها الثقافي ترتبط بدلالة الثقافة ذاتها. إنّها من حيث تكوّنها من عناصر رمزية واعتقادية وأخلاقية وعملية تشكل إرثا جمعيا، لكن ما يميّز هذه العناصر هو إمكانية تشكّلها في أنساق مختلفة حسب الظروف والبيئات. على ذلك تصبح الثقافة: ذاكرة ومشروعا. هي ذاكرة أعيد تركيب عناصرها في توازن يواكب مقتضيات اللحظة التاريخية ويعيد ترتيب علاقة الذات بالآخر وبالعالَم.

في الوضع الراهن، علاقتنا بماضينا شديدة الانتقائية بما يفضي إلى تشظّي الذاكرة الجماعية فيحجز عن ظهور أي نسق قيمي وأي مشروع فكري يعيد بناء الهوية الذاتية ويفتح أمامها آفاق الإبداع.

كيف يمكن عندئذ للكاتب أن يبدع إنتاجا ويوسّع آفاقا دون أن تتأهل ثقافة المجتمع لتصبح في مستوى تفاعل حضاري وراهنية تاريخية؟

كيف يمكن أن يعود الشغف بالكتاب والمطالعة بينما الذاكرة الجمعية في شبه ارتجاج والرؤية المستقبلية في ضبابية والتباس؟

في أزمنة أخرى، لا صلة لها بالانحطاط وبالذاكرة المتشظّية العقيمة، قال سعيد بن العاص: " من لم يكتب فيمينه يسرى ولا ديّة ليد لاتكتب". قالها لأن الكتابة جمع وبناء وتنسيق لكنها في ذات الوقت توازن في الذات واتساع في الرؤية ولامحدودية في الأفق. عندها كانت الأميّة بأنواعها في تراجع كبير لأن العقول والمؤسسات كانت تعيش واقعا يؤكده المثل العربيّ:" الكتّاب ملوك وسائر الناس سوقة".

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير