تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

مَلأنا البَرَّ حَتّى ضاقَ عنّا ... وَماء البَحْرِ نَملَؤهُ سَفيِنا

إذا بَلَغَ الفطام لنا صَبِيٌّ ... تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدِينا

وأنّا المانِعُونَ لما يَلِينا ... إذا ما البيض فارقت الجفونا

وأَنّا الطالِبُونَ إذا انْتَقَمنا ... وأنا الضاربون إذا ابتلينا

وأنّا النَّازِلون بِكُلِّ ثغرٍ ... يخاف النازلون به المنونا

إذا لمْ نَحمِهِنَّ فلا بَقِينا ... بخَيْرٍ بَعْدهُنَّ وَلا حَيينا

لنا الدُّنيا ومَنْ أضحى عَلَيْها ... وَنَبْطِشُ حين نَبْطِشُ قادرينا

نُسَمَّى ظالِمِينَ وما ظُلِمْنا ... ولَكِنَّا سَنَبْدأ ظالمِينا

سَقَيْناهُم بِكأْسِ المَوت صِرْفا ... ولاقَوا في الوقائِعِ أُقْوَرِينا

ونعدوا حين لا يُعْدى عَلَيْنا ... ونَضْرِبُ بالمَواسِي مَنْ يَلِينا

بربكم أهذا كلام عقلاء؟! .. (لنا الدنيا ومن أضحى عليها)!! .. هذه الظاهرة الصوتية هي المُلْهية الخياليّة؛ لأنها لم تصدر عن إمبراطورية لها الغلبة في الأرض؛ فأين هذا المُحال من هذا الشعر الرجولي المبارك في عهد خير أمة أخرجت للناس بلسان عربي صميم النسب .. قال عبيد الله بن رُماحسٍ القيسيُّ:عن زيَّاد بن طارق: عن زهير بن صُرَد رضي الله عنه وقد قَدِم في وفد هوازن بعد فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين -:

امنُن علينا رسولَ الله في كَرَمٍ ... فإنك المرءُ نرجوهُ وننتظرُ

امنُنْ على بيْضةٍ قد عاقها قَدَرٌ ... مُشتَّتٌ شَمْلُها في دَهْرِها غِيَرُ

أبقَتْ لنا الدَّهرُ هُتَّافاً على حَزَنٍ ... على قلوبهمُ الغَمَّاء والغُمَرُ

إن لم تُدارِكْهُمُ نَعْماءُ تَنْشُرُها ... يا أرجحَ الناس حِلْماً حين يُخْتَبَرُ

امنُنْ على نِسوةٍ قد كنتَ تَرضَعُها ... إذْ فوك تملؤه من مَحْضِها الدِّرَرُ

إذ أنتَ طفلٌ صغير كنت ترْضَعُها ... وإذْ يَزِينُك ما تأتي وما تَذرُ

لا تجعلنَّا كَمَن شالتْ نعامتُه ... واستَبِقْ مِنَّا فإنَّا معشرٌ زُهُرُ

إنّا لَنَشْكُر للنَّعماء إذْ كُفِرَتْ ... وعندنا بعدَ هذا اليوم مُدَّخرُ

فألبِس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمّهاتك إنَّ العفو مشتَهرُ

يا خيرَ من مرحَتْ كُمْتُ الجيادِ به ... عند الهِياج إذا ما استوقِد الشَّرَرُ

إنا نؤمِّل عفواً منك تُلْبِسه ... هذي البرية إذْ تعفو وتنتصر

فاعفُ عفا الله عَمَّا أنت راهبُ ... يوم القيامة إذْ يُهدى لك الظَّفَرُ

قال: فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال: ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم .. فقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله .. وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله.)) (1)

قال أبوعبدالرحمن: (فاعفُ) بإشباع ضمة الفاء، والمقياس الجمالي في مثل هذا الشعر النفيس قدرته على تصوير حال من شفع لهم، مع حسن المدح للمشفوع عنده صلى الله عليه وسلم، مع جعله بهذا المدح علاقته بالقوم من الرضاعة تذكيراً لا مِنَّة، مع تعظيمه لقدر قومه .. والقصيدة على متانة ألفاظها وحلاوتها من السهل الممتنع بالنسبة لأبناء ذلك العصر، وإن كُنَّا اليوم نتوقَّف عند فهم بعض المفردات .. ورواية ((هَتَّاناً)) أبلغ وأوضح من رواية ((هُتَّافاً)) كما قال شيخنا عبدالفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى .. وفوق ذلك عينية حسان بن ثابت رضي الله عنه التي يقول فيها:

إن الذّوَائِبَ من فِهْرٍ وَإخوَتِهمْ ... قَدْ بَيَّنُوا سُنًّةً للنّاس تُتّبَعُ

يَرْضَى بها كلُّ من كانت سريرتُهُ ... تَقْوَى الإلهِ وبالأمرِ الذي شَرَعُوا

قومٌ إذا حاربُوا ضرُّوا عَدُوَّهُمُ ... أو حاولوا النّفْعَ في أشياعِهم نَفعوا

سجِيّةٌ تلكَ منهُمْ غيرُ مُحْدَثَة ... إنّ الخلائِقَ فاعلَمْ شرُّها البِدَعُ

لا يَرْقَعُ الناسُ ما أوْهَتْ أكفَّهُمُ ... عِندَ الدفاعِ ولا يوهونَ ما رَقَعوا

إن كان في الناس سبَّاقون بَعْدَهُمُ ... فكُلُّ سَبْقٍ لأدنَى سَبْقِهمْ تَبَعُ

ولا يَضُنُّون عن مولىً بِفَضْلِهِمِ ... ولا يُصِيْبُهُمُ في مَطْمَعٍ طَبَعُ

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير