تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

1 - إِنَّ اللغة العربية مرنة، تحمل في بنيتها بذور النماء والتطوير والتجديد بما فيها من نحت واشتقاق وتصريف، فهي لغة حية قادرة على استيعاب مستجدات الحياة والتعبير عنها، لكنّها لا تستطيع وسط مجتمعاتها المتخلفة التي تجهلها أَن تنهض، وهذا الغزو اللغوي الغربي للغتنا العربية جزء من غزو حضاري غربي لأمة متخلفة مجزّأة، علاقتها بالغرب المتقدم الذي ملأت إنجازاته المادية والمعنوية حياتها ليست علاقة الند للند، وإنّها لا تستطيع مواجهته إلاَّ بنهوض حضاري شامل، يواكبه نهوض لغوي، يجعل اللغة العربية أكثر قدرة على امتصاص السيل اللغوي الوافد و احتوائه.

2 - قرار سياسي يعزّز مكانة اللغة العربية:

إِنَّ تعزيز مكانة اللغة العربية، و تنشيط دورها في مواجهة التحديات التي تحيط بها من كل جانب يحتاج إلى قرار سياسي جاد على الصعيدين القطري و القومي.

1 - على الصعيد القطري:

1ً- أن تعمل الدولة من خلال مؤسساتها التربوية و الإعلامية و الثقافية على تنمية الوعي اللغوي لدى المجتمع، و تبيّن له أهمية دور اللغة في حياته و في تحديد هويته، و توحيد شمل أمته، و التحدّيات المحيطة بها التي تضعف دورها، وتستهدف وجودها، و أَن تكثر الدولة في أجهزتها المرئية و المسموعة من البرامج الثقافية و الفنية و مسلسلات الأطفال و المسرحيات و الأفلام الناطقة باللغة العربية الفصيحة المبسطة، وتدعو إليها، وتحبّب إلى المجتمع لغته تحبّباً يجعله يقبل على إتقانها، ويصرفه عن الكلمات الدخيلة إلى استعماله كلمات عربية دالة عليها، أو كلمات معّربة عنها، من غير أَن يقف هذا الإقبال حائلاً بينه وبين إتقانه لغة عالمية، ينفذ منها إلى العالم.إِنَّ جهل المجتمع لغته، يضعف دورها في حياته، و يشكّل تحدياً إضافياً لها، و منفذاً يلج منه أعداؤها للنيل منها.

2ً- أن ترفع الدولة من خلال مؤسساتها التربوية و التعليمية مستوى الطلاب في تعلّم مادة اللغة العربية بما يؤدي إلى تجاوز ضعفهم بها، و إتقانها إياها، و تستطيع الدولة بلوغ هذا الهدف الذي ينطبق على المواد الدرسية الأخرى، إِذا وفّرت للعملية التربوية التعلّيمية ثلاثة شروط أساسية: تبسيط المادة بأسلوب تربوي متطور، وفقاً لخطة مدروسة، و مدرّس كفؤ مُعَدّ لتدريس مادته إعداداً جيداً، و تحسين وضعه المعيشي بما يحفّزه للتفرغ في تدريس مادته وحسب، ويصرف تفكيره عن تصيّد طلاّبه، وطرق أبوابهم، أو هرولته إلى المعاهد الخاصة. كما تستطيع بعض الدول، وهذا من واجبها، التي مازالت تدرّس إلى اليوم في مدارسها و معاهدها و جامعاتها المواد العلمية والطب و الصيدلة و الهندسة و غيرها باللغة الأجنبية، أن تعتمد اللغة العربية في تدريسها، و تستفيد من خبرة الدول التي سبقتها في هذا المجال.

3ً- أَن تفعّل الدولة دور مجمع اللغة العربية من جانبين:

1 - أن تعمل على تنشيطه، وتطوير أدائه من خلال توسيع صلاحياته وتعميقها، بحيث تشمل كل فروع العلم و المعرفة و الأدب و الثقافة و الفن و الفلسفة و الفكر، وكل ما له صلة بمختلف جوانب الحياة، و أَن ترفده بمزيد من الأعضاء الأَكْفَاء في مختلف الاختصاصات ممن يتقنون لغات عالمية حيّة، و تمنحهم الحوافز المادية المجزية التي تليق بدورهم الهام.

2 - أن توثق الدولة الصلة بين مجمع اللغة العربية ووزاراتها و مؤسساتها و تنظيماتها، و أَن يرفدها المجمع بما يخصها من المفردات و المصطلحات، وأَن تعمل أجهزة الدولة على تعميمها إلى قطاعاتها التابعة لها، تستخدم منها ما يخصها في شؤونها، و تعتمده في خطابها، و تسيير أعمالها، و تطبع الدولة كلّ ما ينجزه مجمعها، و عليها أَن توجّه مؤسساتها المختلفة، لاسيما الإعلامية و التربوية و الثقافية إلى الترويج المستمر المنظم لإنجازات مجمع اللغة العربية، وحين يجد المجتمع نفسه محاصراً بالترويج الإعلامي لإنجازات مجمعه، فلا مناص له من استعمالها والتآلف معها، و لعلّ من أسباب إقبال المجتمع على استعمال الألفاظ الدخيلة التي عرّبها المجمع، أو أَوجد لها ما يقابلها في العربية هو قصور هذه المؤسّسات في الترويج لمنجزات المجمع، فالكلمة تحيا بالاستعمال، وتموت بالإهمال.

2 - على الصعيد القومي:

أن تضع الدول العربية المصلحة القومية العليا فوق خلافاتها السياسية العابرة، فتتخذ قراراً سياسياً بتوحيد مجامع اللغة العربية، أو في الأقل ترفع مستوى التعاون و التنسيق فيما بينها إلى أعلى درجة ممكنة، و تنشئ هيئة قومية موحدة لمجامع اللغة العربية تشرف عليها جامعة الدول العربية، يكون مقرها إحدى عواصم الدول العربية، ويتألف أعضاؤها من رؤوساء مجامع اللغة العربية أو من أعضائها الآخرين، هيئة، لا تتأثر بالخلافات، و تتجاوز الولاءات السياسية الضيقة، تعمل على رصد الدخيل وتقد يم البديل، و توحيد المصطلحات والإنجازات اللغوية، وإنجاز معجمات متخصصة: لغة، طب، علوم طبيعية، هندسة، فلسفة……إلخ، تطبعها بين كل فترة و أخرى، وتضيف إليها في كل طبعة جديدة آخر الإنجازات اللغوية المستجدة في كل تخصص، فمجامع اللغة العربية إذا تعاونت فيما بينها، استفادت من خبرات بعضها، وكانت أقدر على مواجهة التحديات المتمثلة بالغزو الحضاري و اللغوي و الانفجار المعرفي.

إِنَّ على الدول العربية وجامعتها مسؤولية كبرى في تطويراللغة العربية، و تفعيل دور مجامعها اللغوية، ومن واجبها نحو لغتها أن تكثر من إقامة المنتديات و المؤتمرات اللغوية، و تدعو إلى تبادل الزيارات والخبرات بين مجامع اللغة العربية و تخصّص جائزة سنوية تمنح للمبدعين في اللغة، و من أسهم في تطويرها، فاللغة صورة عن أبنائها، إن نهضوا نهضت، و إن تخلّفوا تخلّفت.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير