تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وإذا لاحظ القارئ أننا لم نقف عند مادة الصعلكة من حيث اللغة والاصطلاح، فذلك مرده إلى الدراسات المستفيضة التي تناولت هذا الجانب (1)، لاسيما أنها تتبعت تطور هذه اللفظة لغوياً، ومع ذلك لا ضير من أن نشير إلى أن الصعلكة تعني في معناها العام الفقر وما له من علاقة بالعوز والحرمان في ظل حياة قاسية يتعذر فيها سبيل الرزق، فضلاً عن الدلالة الاجتماعية التي لها علاقة بالوضع الاجتماعي الذي يحياه الفرد في ظل مجتمعه، ومن ثمة قد تفرض على هذا الفرد أن يسلك أسلوباً معيناً في حياته الخاصة كرد فعل لما لحقه من ضيم أو رغبة منه في تغيير وضع ما، أو بلوغ غاياته المادية والمعنوية.

وأياً كان الأمر، فإن هذه الظاهرة تدل ـ بصورة جلية ـ على التناقضات التي تبلورت وتفشت في المجتمع القبلي الجاهلي الذي بلغ شأواً بعيداً في الفوارق الطبقية الفاحشة بين الغنى والفقر، وهكذا راح هؤلاء الشعراء الفرسان من الشبان بخاصة ممّن لهم تبتسم لم سبل الرزق يمثلون جانبين، فمنهم من مثّل الفروسية بأدق معانيها من حيث التحلي بالقيم الإنسانية النبيلة، ومن ثم حافظ على قيم الشهامة والمروءة وإغاثة الملهوف، ومساعدة الفقير والضعيف عامة، بغض النظر عن الوسيلة المتبعة في تطبيق ذلك، ومنهم من سلك سبيل النهب والسلب والتمسك بمبدأ القوة لنيل بغيته في ظل طبيعة جغرافية تحتم التشبث بذلك المبدأ.

وعلى الرغم من اختلاف الدوافع إلى امتهان الصعلكة وتعددها، فإن أهم العوامل المساعدة على تفشّيها هو الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يحياه الإنسان الجاهلي بعامة في مجتمعه القبلي الذي لا يخلو من قيم جائرة، وتعسف لافت للنظر في بناء العلاقات الاجتماعية التي تميز تمييزاً واضحاً بين أبناء القبيلة الواحدة، فإما أن يرضى هذا الفرد بما يفرض عليه من ذلِّ وحرمان وجوع أحياناً، وإما أن يثور على ذلك الواقع الصعب، ويرفض تلك القيم، وبذلك فقد اختار هؤلاء الصعاليك الذين أبوا الاستسلام لقانون القبيلة العام سبيلهم الذي يمثّل خلايا ثورية، جعلتهم يتمركزون في قواعد ويرسمون خططاً لتحقيق رغباتهم وأهدافهم معتمدين على مبدأ القوة والسلب والنهب. (2)

ولئن ارتبطت ظاهرة الصعلكة بالفقر المدقع، فقد ارتبطت أيضاً بقطاع الطرق الذين انتشروا ـ في العصر الجاهلي ـ في مختلف أرجاء الصحراء العربية، ينهبون ويسلبون كل ما يجدونه في سبيلهم، ومن هنا أصبحت لفظة الصعلوك تدل على الفتوة والشجاعة الخارقة التي تجعل هذا الفتى يعتمد أسلوب النهب في ضوء ما يمتلكه من قوة وسرعة في العدو حين يضطر للفرار أحياناً، فهو يعتمد الهروب أسلوباً في حياته عندما لا يجد مسوغاً للمواجهة، فهو من هذا القبيل لصٌّ له قواعد في اللصوصية، اعتمدها فأصبحت من صفاته دون غيره.

فهل لنا ـ في ضوء ما سبق ـ أن نتقبَّل مفهوم الصعلكة والصعاليك على أنهم مجموعات من قطّاع الطرق انتشروا في أنحاء الجزيرة العربية، فراحوا يُغيِرُون ويغنمُون، ويأوون إلى الشعاب والأودية والكهوف والجبال، فيتحيّنون الفرصة فلا تفلت منهم شاردة ولا واردة، إلا أصابوها، وينقضُّون ـ في شجاعة وحماسة نادرتين ـ على ضحاياهم فينهبون ويسلبون ويقتلون، فيصيبون بذلك رغد العيش وطيبه إن غنموا، ويتعرضون للجوع والحرمان إن لم يجدوا ما يغيرون عليه (3) ..

إنَّ الصعلكة ظاهرة اجتماعية إنسانية لها أسبابها ومسبباتها، ولكن ما يلفت الانتباه حقاً، هو أن هؤلاء الشعراء الصعاليك الذين جمعوا بين السيف والقلم، جمعوا أيضاً بين التشرّد في القفار والفيافي، وعبّروا عن ذلك التشرد بطرق فنية وصور شعرية تنم عن قدرة فنية، ورؤية اجتماعية نقدية، قد لا نجد مثيلاً لها في شعر كثير من الشعراء الفرسان الذين عاصروا هؤلاء الصعاليك، ولعل ذلك ما يجعلنا نتروى في التعامل مع تلك الظاهرة الجديرة بالتمعن والروية.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير