تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

حلّ الشعر (نثر المنظوم)

ـ[الباز]ــــــــ[04 - 01 - 2010, 02:59 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

و أنا أقرأ في كتاب جواهر الأدب لأحمد السيد الهاشمي رحمه الله وجدت إحالة إلى كتاب

المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر لابن الأثير رحمه الله و قد أعجبتني فكرة أن نفتح موضوعا لحل الأبيات الشعرية أي نثرها ..

وقبل أن نبدأ إن شاء الله هذه مقدمة (بتصرف بسيط) من كتاب ابن الأثير:

حلُّ الأبيات الشعرية ثلاثة أنواع:

الأول: نثر الشعر بلفظه من غير زيادة

وهو أدناها مرتبة أن يأخذ الناثر بيتاً من الشعر فينثره بلفظه من غير زيادة، وهذا عيب فاحش، ومثاله كمن أخذ عقداً قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه فأوهاه وبدده، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقداً إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه وأيضاً فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء، وقد سلك هذا المسلك بعضهم فجاء مستهجناً لا مستحسناً كقوله في بعض أبيات الحماسة:

وألدَّ ذي حنقٍ عليَّ كأنما=تغلي عداوة صدره في مرجل

أرجيته عني فأبصر قصده=وكويته فوق النواظر من عل

فقال في نثر هذين البيتين: "فكم لقي ألد ذي حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من عل، وتغلي عداوة صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبه لفمه ويديه"

فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لا غير ..

ومن هذا القسم ضرب محمود لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن شيئاً لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يُعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ ومثاله قول الشاعر في الحماسة:

لو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي=بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا

وقد نثرتُ ذلك فقلتُ:"لستُ ممَّن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا هم بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهمل وأقرب الأمل،"

وأقول: سبق السيف العذل، فذكرُ بني اللقيطة ههنا لا بد منه على حسب ما ذكره الشاعر، وكذلك الأمثال السائرة، فإنه لا بد من ذكرها على ما جاءت في الشعر.

وأما القسم الثاني: فهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة، وهو أن ينثر المعنى المنظوم ببعض ألفاظه، ويعبر عن غيرها بألفاظ أخر، وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة، فإنه إذا أخذ لفظاً لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لا يلائمه كان كمن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف للطعن.

والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله.

وسأورد ههنا مثالاً واحداً ليكون قدوة للمتعلم، فأقول:

قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له:

حذاء تملأ كل أذنٍ حكمةً=وبلاغةً وتدر كل وريد

فقوله " تملأ كل أذن حكمة" من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد من استعمال لفظه بعينه، لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخيه بمثله، وهذا عسر جداً وهو عندي أصعب منالاً من ناثر الشعر بغير لفظه، لأنه مسلك مضيق، لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة، وأما نثر الشعر بغير لفظه، فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته.

وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت:"وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عرف الكلام صارت المعرفة له علامة، وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة، ومن خصائص صفاته أنه يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت نفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة".

فانظر كيف فعلتُ في هذا الموضع؟ فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما تراه، وكذلك ينبغي أن يُفعل فيما هذا سبيله.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير