تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[نظرات في بعض مصادر الأدب]

ـ[عصام]ــــــــ[27 - 03 - 2010, 03:22 ص]ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

[نظرات في بعض مصادر الأدب]

(كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني)

بقلم الاستاذ عبد المجيد أبو المساكين

إن من أكبر الأخطار التي واجهت العالم العربي من خلال المذاهب والنظريات الواردة على أيدي دعاتها وحملة ألويتها: مسألة المصادر والرأي في كتب المحاضرات وما سجله الرواة والقصاصون من أخبار، وهل تصلح مصادرا علمية يمكن الحكم عن طريقها على الأمم والمجتمعات حكما صادقا لا شبهة فيه. ومن اليقين الذي لا شك فيه أن كتب المحاضرات وروايات القصاص ليست مصادر علمية صحيحة، وإنما هي مصادر زائفة اعتمد عليها خصوم الأدب العربي والمنهج الإسلامي من أجل ترويج آراء كاذبة مضللة، ذلك أن هذه المؤلفات لم يكتبها علماء موثوق بهم، ولم تكتب وفق أصول العلم والبحث، وإنما كتبت للتسلية والترويح، وقصد بها جمع الفكاهات والنكات والأحاجي والقصص الصادق والكاذب لإغراق المجتمعات بالأوهام والأباطيل. وقد ارتفع صوت العلماء المحققين بالتحذير من هذه المصادر الزائفة التي تجمع أخبار الندماء والجلساء والمغنين والصعاليك والمضحكين أمثال إسحاق بن إبراهيم الموصلي، والمروزي وابن المرزبان وكذلك ما كتبه أبو بكر الصولي الذي كان من ندماء الراضي والمكتفي والمقتدر، وعرف بأنه من الظرفاء الجماعين. ومن هذه الكتب ثمار القلوب للثعالبي، وهو أديب يحب الفكاهة ويروي النكتة، وليس له اهتمام بالتمحيص والتحقيق. وقد كان من هؤلاء المؤلفين أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني.

فإن الكثير من الباحثين في مجال الأدب والتاريخ يعتبر كتاب (الأغاني) مرجعاً من مراجع البحث العلمي والتاريخي، تؤخذ منه النصوص ليُستدل بها في قضايا الدين والاجتماع والتاريخ، والواقع أن الكتاب وضعه مؤلفه للملوك والخلفاء وأودعه مجموعة من الأصوات الغنائية للترويح عليهم بقصص ذوي الأهواء وأهل الفن، وأنه لا يدخل في باب المراجع الموثوق بها ولا المصادر العلمية، وهو إلى ذلك لا يستطيع أن يمثل صورة حقيقية للحياة السياسية والاجتماعية في مجتمع زاخر بأهل الصلاح والفضل من العلماء الفقهاء والزهاد والمؤرخين، وقد أكد أكثر من مصدر أن أبا الفرج الأصفهاني ليس مؤرخاً ولا يصلح كتابه لأن يكون مادة تاريخ؛ وإنما هو جَمّاع للقصص الصحيح والزائف الذي جمعه من الأسواق، وقد شهد عليه كثيرون بالانحراف. قال فيه معاصره الحسن بن الحسين النوبختي: "كان أبو الفرج الأصبهاني أكذب الناس، كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة، والدكاكين مملوءة بالكتب، فيشتري منها كثيرا من الصحف ثم يحملها إلى بيته، ثم تكون رواياته كلها منها". وكان يميل إلى الغلمان، ويشرب الخمر، مسرفا في الشهوات والملذات، وكان وسخا قذرا لا يعتني بنظافة جسمه وثيابه؛ قال عنه هلال بن المحسِّن كما نقل ذلك ياقوت في معجمه: "كان أبو الفرج الأصبهاني وسخا قذرا، لم يغسل له ثوبا منذ فصله إلى أن قطّعه، وكان الناس على ذلك يحذرون لسانه ويتقون هجاءه، ويصبرون في مجالسته ومعاشرته، لأنه كان وسخا في نفسه ثم في ثوبه وفعله". وقال عنه ابن الجوزي: "الغالب عليه رواية الأخبار والآداب، وكان عالما بأيام الناس والسير، وكان شاعرا، وصنف كتبا كثيرة منها: الأغاني .. روى عنه الدارقطني، وكان يتشيع، ومثله لا يوثق به وبروايته، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر". وقال الذهبي: "رأيت شيخنا تقي الدين ابن تيمية يضعِّفه ويتهمه في نقله ويستهول ما يأتي به". ومن آراء المحدثين فيه قول الأستاذ عبد العزيز البشري: "إن محاولة كشف الرجل عن آثاره المحفوظة لا تجدي كثيرا في الإبانة عن خلاله ومداخل عيشه .. فإنك لو التمست مثل هذا في أبي الفرج لخرج لك من آثاره أنه كان أجمل الناس سمتا، وأنظفهم بدنا وثوبا .. ولكن الواقع أنه كان من أشد الناس شرهاً، وأقبحهم مؤاكلة، وأقذرهم خُلُقا وثوبا، حتى ليصح فيه قول الشاعر:

وَسِخُ الثَّوب والعمامة والبِرْ ذَوْنِ والوَجه والقَفَا والغُلاَم".

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير