تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

حينما احتل الإنجليز استانبول، ودمروا المدافع في المضيق (في استانبول) ورد في تلك الأيام ستة أسئلة من رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليزية إلى المشيخة الإسلامية، وكان النورسي حينئذٍ عضوًا في دار الحكمة الإسلامية فقالوا له: أجب عن أسئلتهم بست مئة كلمة كما يريدون. فقال: «إن جواب هذه الأسئلة ليس ست مئة كلمة ولا ست كلمات ولا كلمة واحدة، بل بصقة واحدة»، وكان النورسي يقصد أنه لا يجيب أسئلة المكر والدس والشماتة، لكنه مستعد لأن يضع الجواب لمن ينشد الحق.

السيف والذهب: أرسل مصطفى كمال برقيتين يستدعي النورسي إلى أنقرة لكي يكافئه على نشر رسالة الخطوات الست، فذهب إليها سنة 1922م، وشاهد فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي، إلا أنه أبصرـ خلال موجة الفرح هذه ـ زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر، وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها.

كان النورسي يأمل في حكومة أتاتورك خيرًا، ولكنه عندما وصل أنقرة واستقبل استقبالاً حافلاً من قبل المسؤولين والأهلين، شاهد ما لم يأمله، حيث لمس عدم الاهتمام بالدين في البرلمان وعدم اكتراثهم بشعائر الإسلام. فدعاهم ببيان إلى ضرورة العبادة؛ ولاسيما الصلاة، ووزع البيان على أعضاء المجلس وقرأه على مصطفى كمال الجنرال كاظم قره بكر، كان من تأثير هذا البيان أن استقام على إقامة الصلاة ستون نائبًا، حتى إن الغرفة التي كانوا يؤدون فيها الصلاة لم تعد تسعهم فاتخذوا غرفة أوسع منها لإقامة الصلاة.

أعوذ بالله من الشيطان ومن السياسة: حاول الزعيم التركي أن يستميل النورسي، كما حكى: «عرض عليّ ـ مصطفى كمال ـ تعييني في وظيفة الواعظ العام في الولايات الشرقية براتب قدره ثلاث مئة ليرة في محل الشيخ السنوسي، وذلك لعدم معرفة الشيخ اللغة الكردية، وكذلك تعييني نائبًا في مجلس المبعوثان (المجلس النيابي)، وفي رئاسة الشؤون الدينية مع عضوية في دار الحكمة الإسلامية، وكان يريد بذلك إرضائي وتعويضي عن وظيفتي السابقة».

لكن الأمور لم تهدأ فقبض على النورسي، وفي المحكمة قال عن أتاتورك: «إننا لسنا مع زعيم أصدر بحسب هواه أوامر باسم القانون ونفذها بقوة لتحويل جامع آيا صوفيا إلى دار للأصنام، وجعل مقر المشيخة الإسلامية العامة ثانوية للبنات، لسنا معه فكرًا ولا موضوعًا، ولا من حيث الدافع ولا من حيث النتيجة والغاية، ولا نجد أنفسنا ملزمين بقبول أمر كهذا».

بعدما وافق المجلس على إلغاء الخلافة، ما كان من النورسي إلى أن غادر أنقرة في 25/ 4/ 1923م. نعم رد جميع عروض مصطفى كمال وغادر أنقرة، بعد أن بيّن وجهة نظره في الحكومة الجديدة للنواب الذين حضروا لتوديعه وألحوا عليه بالبقاء في أنقرة.

هجر النورسي أنقرة والسياسة معًا، وتفرغ لدروس القرآن في مدينته القديمة (وان)، وحرص على صيانة الدماء، فهل سلم؟ لا، لقد نفي إلى بلدة بعيدة غريبة، إلى (بوردور).

عندما ترعى الذئاب: أفصح أتاتورك عن هويته فقال: «إن الإمبراطورية العثمانية قامت على أسس الإسلام، وإن الإسلام بطبيعته ووضعه عربي، وتصوراته عربية، وهو ينظم الحياة من ولادة الإنسان إلى وفاته ويصوغها صياغة خاصة، ويخنق الطموح في نفوس أبنائه، ويقيد فيهم روح المغامرة والاقتحام، والدولة لا تزال في خطر ما دام الإسلام دينها الرسمي» كما أعلن عن برنامجه: «إنه من الأفضل لتركيا أن تكون في مؤخرة أوروبا على أن تكون في مقدمة الدول الإسلامية». وضع الرجل برنامجه موضع التنفيذ، فأُلغيت السلطنة العثمانية في (1/ 11/1922م) وأعقبه إلغاء الخلافة في (3/ 3/1924م). وفي 3/ 2 / 1928م كانت أول خطبة للجمعة بالتركية، وفي 1/ 11/ 1928م إقرار الحروف اللاتينية بدلاً من العربية المستعملة (بقانون رقم 1353)، وبموجبه بيعت أطنان من الوثائق والكتب القيمة بأزهد الأثمان وأطنان منها أرسلت إلى مصانع الورق، وفي 30/ 12 غلق (90) مسجدًا في استانبول. وفي 1/ 9/1929م رفعت الدروس العربية والفارسية من المدارس، ووضع الحظر على قراءة القرآن وكذا الكتب الدينية وتنفيذ القرار بشدة، وفي عام 1932م وحده حدث في 22/ 1 قراءة القرآن المترجم إلى التركية وفي 6/ 2 خطبة الجمعة بالتركية في جامع السليمانية باستانبول، وفي 18/ 7 فرض الأذان والإقامة بالتركية رسميًا وحظرهما بالعربية،

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير