تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ألا يعدّ هذا الأمر غريبا، ونحن نعرف من منظومة أصوات العربية كيفية توزيع أصواتها بين أربعة أنواع هي الصوامت وأصوات المد الطويلة والقصيرة وأنصاف المد، فالنون على ذلك تعد من الصوامت لا من أصوات المد أو نصف المد.

ولكن انظر معي إلى ما يقوله الدكتور غالب المطلبي في كتابه " في الأصوات اللغوية ـ دراسة في أصوات المد العربية (ص 36، 37) ": " ... وحينئذ يمكن للهواء أن ينفذ إلى الأنف لينصرف منه إلى الخارج، وبسبب هذا الخروج تنشأ عندنا طائفة من أصوات المد اصطلح على تسميتها بأصوات المد الأنفية، ومن اللغات التي تستعمل هذا الضرب من الأصوات الفرنسية، وهي تملك عددا منها من نحو an un in " .

ويصف الدكتور محمود السعران في كتابه " علم اللغة " صوت النون بالقول: " يوقف الهواء في الفم وقفا تاما بأن يعتمد طرف اللسان على أصول الثنايا العليا، يخفض الحنك اللين وبهذا يتمكن الهواء الخارج من الرئتين بسبب الضغط من أن ينفذ عن طريق الأنف، يتذبذب الوتران الصوتيان أثناء نطق الصوت. فالنون العربية صامت مجهور سني أغن "

وكذلك هو يصف الميم بأنها صامت مجهور شفوي أغن، غير أننا نجد غنة النون في التجويد القرآني تجعله يتحول في حالة الإدغام إلى نصف مد كما في قوله تعالى (مَن يُكرِههُنَّ) وقوله

(مِن والٍ) ففي الشاهد الأول تسمع غنة الياء وفي الثاني تسمع غنة الواو.

وهذا على الأرجح سبب تواتر اتصال النون، دون غيرها من الحروف، بالهاء وكأنها من أصوات الردف التي ذكرناها في مطلع الحديث، فتأمل!


اعتبار النون الساكنة قبل الهاء ردفا بما تتميز به من خصائص أمر باعث على التأمل، وسواء اعتبرناها ردفا أم رويا وصلُه الهاء خلاف منطق (الساكن لا وصل له) –مع ميلي لاعتبار النون نوعا من الردف حسب ما تفضلت- فإن المهم هو ثبات هذه النون الساكنة قبل الهاء. وإليك ما وجدتني أركن إليه بهذا الصدد، راجيا التكرم بالتوجيه:

الواو والياء الساكنتان كما في (بَيْت، قَوْل) ومعهما النون الساكنة قبل الهاء في آخر البيت تقع بين حروف المد والحروف الصحيحة، ولهذا تتأرجح صفاتهما في القافية بين المصمت والممدود على ثلاث مراتب:

أ- الحرف الصحيح المصمت

ب- الردف النوني المتبوع بالهاء الذي لا يقبل سواه معه. وهنا ترد شبهة أن تكون النون رويا والهاء بعدها وصلا خلافا لقولهم (لا وصل لساكن)، وأراها حجة مرجوحة بتخصيص النون الساكنة قبل الهاء ردفا إن التزمت في سائر أبيات القصيدة. ونعتبر حكم هذه النون ساريا على الواو والياء الساكنتين قبل الحرف الأخير وإن لم يكن هاء، ولما كانت الألف هي الحرف الوحيد الذي لا يشاركه سواه في الردف فأقترح أن نسمي هذه الظاهرة بـ (اطراد الردف في غير الألف.

جـ- ردف الواو والياء الساكنتين اللتين يحل أحدهما مع الآخر.

وفيما يلي شرح وتمثيل لهذه المراتب:

أ -أما فيما يخص اعتبار الواو والياء الساكنين حرفا صحيحا (مصمتا) ساكنا فذلك في حالة أن يغلب على أبيات القصيدة قبل الروي الأحرف المصمتة الساكنة فترد الواو الساكنة أو الياء الساكنة في هذا السياق فيعاملان كحرفين مصمتين ساكنين وذلك كما في قول المتنبي (احلوْلي) مع كل من (العذلِ والجهْلِ)، من قصيدته غير المردوفة:

كَدَعواكِ كُلٌّ يَدَّعي صِحَّةَ العَقلِوَمَن ذا الَّذي يَدري بِما فيهِ مِن جَهلِ
لِهَنَّكِ أَولى لائِمٍ بِمَلامَةٍوَأَحوَجُ مِمَّن تَعذُلينَ إِلى العَذلِ
تُمِرُّ الأَنابيبُ الخَواطِرُ بَينَناوَنَذكُرُ إِقبالَ الأَميرِ ((فَتَحلولي))

قال عبد الرحمن البرقوقي حول ذلك
" وقد عاب قوم عليه قوله (فتحلولي) مع قوله (تجلي) وقالوا كيف جمع بينهما في القافية ولا صحة للواو؟ قال الواحدي:" وليس الأمر كذلك لأن الواو والياء إذا سكنتا وانفتح ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح مثل (القَوْل) و (المَيْن) وكذلك إذا انفتحا وسكن ما قبلهما مثل (أسود) و (أبيض) وهذا مثل قول الكسعي:

يا رب سددني لنحت قوسي
فإنها من لذتي لنفسي
وانفع بقوسي ولدي وعرسي
إنتهى قول عبد الرحمن البرقوقي

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير