تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

محمد إسماعيل عتوك

ـ[عبدالرحمن الشهري]ــــــــ[19 Apr 2004, 10:35 ص]ـ

بارك الله فيكم.

ـ[محمد إسماعيل]ــــــــ[19 Apr 2004, 03:03 م]ـ

تتمة لما ذكرته في المقال السابق أقول، وبالله المستعان:

أشار الله جل جلاله بقوله: {ذلك} الأولى، في الآيتين الكريمتين السابقتين، إلى ما تقدم ذكره، من ضرب الذلة، والمسكنة على اليهود، وإلحاق الغضب بهم00 وما بعدها، من قوله تعالى: {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله00} تعليل للمشار إليه0أي: ذلك المشار إليه كائن بسبب كفرهم، وقتلهم الأنبياء بغير حق0

أما {ذلك} الثانية، من قوله تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} - في الآيتين الكريمتين- فهو إشارة إلى كفر أولئك اليهود بآيات الله تعالى، وقتلهم الأنبياء بغير حق00 وما بعدها تعليل له0 وليس تكريرًا للأول، يراد به التأكيد ـ كما ذهب إلى ذلك أكثر المفسرين؛ لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكَّد0 ومعلوم أن العصيان أقلُّ حالاً من الكفر بآيات الله تعالى0 فلهذا لا يجوز تأكيد الكفر به0 وكذلك لا يجوز تأكيد قتل الأنبياء بالاعتداء؛ لأنه أقلُّ حالاً منه0

وعلى هذا يكون قوله تعالى: {بما عصوا} راجع إلى قوله تعالى: {كانوا يكفرون بآيات الله} 0 وقوله تعالى: {وكانوا يعتدون} راجع إلى قوله تعالى: {ويقتلون النبيين بغير الحق} 0 فيكون جل جلاله قد ذكر شيئين، وقابلهما بشيئين؛ كما ذكر أولاً شيئين، وقابلهما بشيئين00 وهذا نوع من اللفِّ والنشْر لطيفِ المسلك، ويعد من محاسن الكلام، وجودة تركيبه0 وبذلك يخرج عن التكرير بدعوى التأكيد؛ كما ذكرنا أنفا0

وذكر الفخر الرازي وجهًا آخر محتملا؛ وهو أن يكون المراد من قوله تعالى {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات00}: مَن تقدم من اليهود00 ويكون المراد من قوله تعالى {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}: مَن حضر منهم في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم0

وعلى هذا لا يلزم التكرار أيضًا؛ فكأنه تعالى بيَّن علة عقوبة من تقدم منهم، ثم بيَّن أن من تأخر منهم، لما تبع من تقدم، كان لأجل معصيته، وعداوته مستوجبًا لمثل عقوبتهم، حتى يظهر للخلق جميعًا أن ما أنزله الله بالفريقين منهم، من البلاء والمحنة، ليس إلا من باب العدل والحكمة!

وقال تعالى: في آية البقرة: {ويقتلون النبيين بغير الحق}، ثم كرر ذلك بصيغة أخرى في آية آل عمران، فقال: {ويقتلون الأنبياء بغير حق} 0 وقد سبق ذلك قوله تعالى، في أول آل عمران: {ويقتلون النبيين بغير حق} [آل عمران:21]، ثم قوله تعالى، في النساء: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} [النساء:155] 00 فدلَّ ذلك على أن بين (النبيين) و (الأنبياء) وبين (غير الحق) و (غير حق) فرقًا في الدلالة0 فما هذا الفرق، وما فائدته؟

وقد أجاب أبو حيان عن الأول بقوله:" ولا فرق في الدلالة بين (النبيين) و (الأنبياء)؛ لأن الجمعين، إذا دخلت غليهما الألف واللام، تساويا، بخلاف حالهما، إذا كانا نكرتين، لأن جمع السلامة، إذ ذاك ظاهر في القلة، وجمع التكسير على (أفعلاء) ظاهر في الكثرة "00 ولهذا عدَّ أبو حيان هذه المخالفة بين الجمعين من باب التفنن في الكلام0 وللمفسرين أقوال أخرى في التعليل لذلك، لم نذكرها خشية الإطالة0

والظاهر أن ما قاله أبو حيان هو الأنسب بالمقام0 فكلا الجمعين يراد به التعبير عن الكثرة للعلة التي ذكرها؛ وهي اقتران كل منهما بالألف واللام00 ولكن خولف بينهما، فجيء بـ (النبيين) في أول آل عمران، وفي البقرة بصيغة جمع السلامة؛ ليكون موافقًا لما ذكِر بعده من الجموع؛ وهو قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} [البقرة:62] 0 وقوله تعالى في أول آل عمران: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب اليم} [آل عمران:21] 0 فجيء بـ (النبيين)؛ ليكون موافقا لما قبله، وما بعده00 فلو جيء ـ في الموضعين- بـ (الأنبياء) بدلا من (النبيين)، لكان نشزًا من الكلام، يأباه النظم البليغ!

أما السؤال الثاني فقد أجيب عنه بأن الحق الأول، عرِّف بـ (ال) العهدية إشارة إلى الحق المعهود، الذي أذن الله تعالى أن تقتل النفس به، وهو المذكور في قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام:151] 0 وعلى هذا جاء قوله عليه الصلاة والسلام:" لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق "00 أما الحق الثاني فنكِّر؛ لأن المراد به تأكيد العموم0 أي: لم يكن هناك حق، لا هذا الذي عرفه المسلمون ولا غيره0

وفي قوله تعالى: {ويقتلون النبيين بغير الحق} أو {الأنبياء بغير حق} ما يسأل عنه؛ لان قتل الأنبياء ـ عليهم السلام ـ لا يكون بحق، ولا غير حق، ولكن يكون على الحق00 فلم ذكر ذلك؟ .. وما الفائدة من ذكره؟

وأجاب أبو حيان عن ذلك بقوله:" لم يرد هذا على أن قتل النبيين ينقسم إلى قتل بحق، وقتل بغير حق0 بل ما وقع من قتلهم؛ إنما وقع بغير الحق؛ لأن النبي معصوم من أن يأتي أمرًا يستحق عليه فيه القتل00 وإنما جاء هذا القيد على سبيل التشنيع لقتلهم، والتقبيح لفعلهم مع أنبيائهم0 أي: بغير الحق عندهم0 أي: لم يدَّعو في قتلهم وجهًا، يستحقون به القتل عندهم "0

هذه هي صفات اليهود القبيحة، وهذه هي أخلاقهم البشعة، تكشف لنا عنها هذه الآيات الكريمة، وتفضح أصحابها، الذين يحاولون سترها بثوب شفاف من الرياء والخداع والمكر00 ولهذا استحقوا غضب الله تعالى، وضرب الذلة والمسكنة عليهم إلى يوم القيامة0 فواهم كل الوهم أولئك الذين يعتقدون، أو يظنون أن اليهود ينشدون السلام، ويسعون من أجل تحقيقه0 فهم لا يطلبون سلامًا، ولكن يطلبون استسلامًا0 وأنى لهم ذلك، وما زال في هذه الأمة شباب، يحملون على الأكف أرواحهم الطاهرة، ويستقبلون الموت بصدوهم العارية؛ ليفجروا أجسامهم دفاعًا عن الشرف والعزة والكرامة، ابتغاء مرضاة ربهم، وما زال نداؤهم يتردد صداه عبر الآفاق:

فلسطين تحميك منا الصدور فإما الحياة وإما الردى

ــــــــــــــــ

محمد إسماعيل عتوك

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير