تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وهذا الاعتقاد في دراسة القرآن وما يتصل به من علوم، هو الذي شكل المنهج، وبذل العلماء أقصى ما عندهم من فكر وتدبر، وتدقيق وسلامة منهج، لمعرفة مراد الله سبحانه - وهو أعلم بمراده - والتسامح والتساهل في شيء من هذا يفضي إلى أن يستخرج من كلام الله ماليس فيه، وهذا كذب على الله، وإضافة لدين الله ما ليس منه، أو يفضي إلى أن نترك من معاني كلام الله ما يدل عليه، وهذا ضياع لجزء من التكاليف، ونقص في دين الله، وهذان أمران لا يقع فيهما العلماء رحمهم الله.

ولما كانت علوم العربية كلها داخلة أو قريبة من التفسير بل هي تفسير، فقد سيطرت هذه الروح الحذرة عليها، وكان علماؤنا يراجعون أصولهم وفروعهم، ويدققون في المراجعة، وكانت قراءتهم لما يقرأون من مصنفات كأنها هي الأخرى مراجعة، فكثرت التعليقات، والاستدراكات والشروح، وكان كل ذلك كأنه نقد دائم، ودائب للمعرفة، حتى صارت القراءة لا تعني تحصيل المعرفة فقط، وإنما تعني بجانب هذا نقد المعرفة، وهذا كله ظاهر في كلامهم، وهو مما يجب أن نأخذ به أنفسنا، ولا يشغلنا التحصيل فقط، لأنه مع أهميته ونفاسته يعتبر الجانب المسالم في المعرفة، وإنما تكون حيويتها ونماؤها وتصفيتها في المراجعة، والاستدراكات، والنظر الناقد، وإذا كنا في دراسة الشعر والأدب نستخرج الصور والمعاني والخواطر والهواجس والرموز، ونحتشد لذلك بكل ما نحكم، وما لانحكم أحياناً!! من مناهج البحث ووجهات النظر حتى نقترب من جوهر الشعر، ونتعرف على عناصر تكوينه، فإننا في دراسة الشرع من القرآن والسنة نحتشد أضعاف هذا الاحتشاد لنستكشف حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وهذا هو الأصل.

وموقف البلاغي أمام ألفاظ القرآن وصوره، وإن شابه موقف الناقد أمام ألفاظ الشعر وتراكيبه وصوره، إلا أن ثمة اختلافاً لا يجوز إهماله، لأننا مع القرآن نستنبط شرعاً وديناً وحلالاً وحراماً، وأسراراً وأحوالاً وإعجازاً، ومع الشعر نستنبط صنعة ولقانة، إن التدسس في بواطن الكلمة القرآنية له أهدافه ومراميه، والتدسس في سراديب الكلمة الشعرية له أهدافه ومراميه، وهذا الاختلاف يراه بصورة أوضح من هذه الإشارات كل من عالج تفسير القرآن وتحليل الشعر.

واسمحوا لي باستطرادة أختم بها الكلام وهي أن الشعر العربي في عصوره قد درس ونقد، نعم .. لقد درس ولكنها دراسة تتناول الغريب، والإعراب، وفي أحسن الحالات نتكلم فيها عن اللوحات التي تصف حيوانات الصحراء، وقد نذكر اللون والصورة والوحدة العضوية والصدق الفني إلى آخر هذا الكلام الهجين على ألسنة النقاد وأسلات أقلامهم وما أخفه في ميزان النقد.

ولو أننا عنينا بالشعر العربي ومنحناه روح المنهج الذي فسر به القرآن والسنة، في النقد والتحليل والتفسير واستخراج الدلالات، وتمحيصها، وتقليبها، لكان لنا من هذا الشعر أفضل مما جنيناه من إقحام المناهج الغربية والمستوردة في نقد النصوص الأدبية!!

ودعني أضرب لك مثالاً بالفقه، وكيف استطاع الفقهاء رحمهم الله استخراج الأحكام وتمحيصها من الأدلة بطريقة ذكية شاقة بصيرة واعية، وكيف أننا لو استفدنا من منهج الفقهاء في النقد والتحليل والتفسير في الشعر لكان لنا نقد آخر غير الذي بأيدينا. وحين أذكر الفقه في هذا المقام لا أعني أن يكون قياسنا في التحليل والتذوق هو الحلال والحرام، وإنما أذكره من حيث هو منهج في التفسير والتحليل والمراجعة، وفيه نرى حركة العقل، وأصول المنهج، والحذر والاحتياط، كل ذلك مقرون بالتذوق والبصيرة، والتحليل الرفيع للعناصر اللغوية المكونة للنص، والخبرة الزاكية بالدلالات والرموز، والإشارات، ولهذا نبغ كثير من الفقهاء في تذوق الشعر، ونقده. وحسب الفقه يداً على النقد أنه خرج له علي بن عبدالعزيز الجرجاني صاحب الوساطة والمشهور بالقاضي، وكان الفقه والتفسير والنحو والقراءات وغيرها من مجموعة العلوم العربية والإسلامية والتي تعد أصولاً فكرية للحضارة الإسلامية، كانت هذه العلوم قاسماً مشتركاً لكل الشعراء، والنقاد، والكتاب، والمفكرين، وكان المتنبي متميزاً بعلوم الاشتقاق، وكان يحفظ الشواذ ويعدها عدا، وكان ابن جني يستمع إليه في هذا، وكان أبو نواس الشاعر الخليع- الذي يعد قدوة لنزار وأمثاله - من علماء القراءات في زمانه

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير