تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

والواقع أن عمل الخير والسخاء والبذل في سبيل الله كان متأصلاً في الرعيل الأول من المسلمين وأجيال السلف الصالح. فقد روى الإمام أحمد – بإسناده – عن أبي إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه " بئر حاء " [3]، و كانت هذه البئر مستقبلة المسجد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يدخلها ويشرب منها، لأن ماءها كان رائقاً طيباً. قال أنس: فلما نزل قوله تعالى: ((لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)) .. قال أبو طلحة: يا رسول الله. إن الله تعالى يقول:" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " وإن أحب أموالي إلي (بئر حاء)، وإنها صدقة أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى. فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((بخٍ بخٍ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين)).

فقال أبو طلحة: أفعلُ يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمومته (أخرجه البخاري و مسلم).

ونحن هنا لا نريد التفصيل في آراء الفقهاء كثيراً، وبسط وجهات نظرهم المختلفة والمتنوعة إزاء هذا الموضوع، بقدر ما يهمنا إجلاء الخصائص النفعية، والسمات الخيرية، في نظام الوقف الإسلامي، ومدى آثار وانعكاسات هذه الخصائص على مطلب التكافل الاجتماعي، الذي دعا له الإسلام وحثَّ عليه بشدة وتركيز ظاهريْن.

يقول المفكر المسلم الراحل فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: " ولقد عرف المسلمون، أن الإسلام دعا إلى الوقف الخيري، من حيث كان دين فطرة، ثم من حيث دعا دعوة ملحة إلى البر بالناس، وإلى الصدقة الجارية في نصوص كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له." فمضوا بهدى الفطرة وآداب الدين يوقفون أموالهم على المستشفيات، وعلى المساجد، وعلى التكايا والأسبلة، وعلى دفن الموتى، وختان الأطفال، وعلى إعانة الفتيات على الزواج، وعلى التعليم والسياحة في الأرض، والرحلة لأداء فريضة الحج، وعلى كفالة الفقير واليتيم والمحروم، وعلى كل غرض إنساني شريف، بل لقد أشركوا في برّهم الحيوان مع الإنسان؛ و لقد تأخذ أحدنا الدهشة وهو يستعرض حجج الواقفين (أهل الوقف) ليرى القوم في نبل نفوسهم ويقظة ضمائرهم، وعلوّ إنسانيتهم، بل في سلطان دينهم عليهم، وهم يتخيّرون الأغراض الشريفة التي يوقفون لها أموالهم، و يرجون أن تنفق في سبيل تحقيقها هذه الأموال " [4].

صور مشرقة من الوقف الخيري:

إن العمل الخيري في الإسلام ليس فقط تعبيراً فردياً عن صحو في الضمير، أو يقظة في العقل والنفس، وإنما هو – إلى جانب ذلك - روح اجتماعية سارية في أوصال الجماعة المؤمنة، وهو كذلك من لبنات البناء الاجتماعي الفاضل، ومن ثم فقد أوجدت حضارتنا الأطر المناسبة للعمل الخيري، وذلك لتحقيق هدفين رئيسين:

الأول: كي يجد أهل الخير المجالات الملائمة لنفقاتهم وعطاءاتهم الخيرية، ويطمئنوا على أن بذلهم إنما هو ضمن السبيل المشروع.

والثاني: تغطية حاجة المجالات المستحقة للنفقات، كترجمة عملية حية لروح التضامن والتكافل، التي ينبغي أن تسود المجتمع الإسلامي في كلّ زمان ومكان.

ويمكن ملاحظة هذه السمات الإنسانية الرفيعة، و هذه الصفات الخيرية النبيلة، من خلال

الأطر الوقفية العجيبة التالية:

1ـ وقف الأعراس: وهو وقف لإعارة الحلي والزينة في الأعراس والأفراح، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه. وبهذا يتيسر للفقير أن يظهر يوم عرسه بحلة لائقة، ولعروسه أن تُجلّى في حلية رائقة، حتى يكتمل الشعور بالفرح، وتنجبر الخواطر المكسورة.

2ـ وقف مواساة المريض: وهو وقف فيه وظيفة من جملة وظائف المعالجة في المستشفيات، وقوامه أو أساسه، تكليف اثنين من الممرضين أن يقفا قريباً من المريض، بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض؟ فيرد عليه الآخر: إن الطبيب يقول عنه: لا بأس به وبحالته، فهو مرجو البرء، بإذن الله، ولا يوجد في علته ما يشغل البال ... وربما نهض المريض فعلاً – بفضل هذا الأسلوب المعنوي – من فراش مرضه بعد يومين أو أكثر.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير