تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[لغة أهل برقة في غريب الحديث النبوي الشريف]

ـ[ناصر المسماري]ــــــــ[25 - 05 - 09, 01:32 ص]ـ

محمد أحمد الوليد

هذا مبحث لطيف، موضوع شائق طريف يبحث في دلالات الألفاظ المستعملة في اللهجة الليبية، وهي ذاتها الألفاظ التي استحقت جهداً طويلاً وعملاً دؤوباً من علماء فضلاء عكفوا على تفسير معناها، ومعرفة دلالتها في غريب الحديث النبوي الشريف، وهو علم يبحث في معنى مفردات الحديث وقد قضى فيه علماء كرام جل حياتهم حتى وصل الأمر بأحدهم وهو الإمام العلامة أبو عبيد القاسم بن سلام أن ألف فيه كتاباً استغرق أربعين سنة فجعله بحق في مصاف كبار العلماء الذين دانت لهم أمة الإسلام بالإجلال والاحترام، فقال عنه الهلال بن العلاء الرقي "منّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي تفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة ولولا ذاك لكفر الناس، وبحيي بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر غريب الحديث ولولا ذاك لاقتحم الناس الخطأ".

ولعل الزمن الذي استغرقه تأليف كتاب أبى عبيد في تفسير ألفاظ الحديث النبوي شاهد قوي على صعوبة هذا الفن، ووعورة مسلكه، فلا يتصدى له إلا من أضناه الجهد، وأتعبه البحث في جمع شوارد اللغة و معرفة غريبها وفك غامضها ومن هنا كانت طرافة هذا البحث، إذ إن جمهرة واسعة من الناس في ليبيا تستخدم في تعابيرها ألفاظاً تعتقد بعدها عن فصيح العربية وهي نفسها التي شغلت علماء مجدين كأبي الحطاب وابن الأثير وغيرهم في تفسير معناها ومعرفة غامضها وينتهي المطاف بهؤلاء العلماء إلى تفسير معناها بما يستخدمه الليبيون في خطابهم اليومي وهذا برهان على فصاحة هذا الشعب، وعراقة أصله، وهذا الأمر لا يستغربه قارئ التاريخ، ومتتبع أحداثه أو عالم الأنساب ومدقق جهاته، فالتاريخ يبين أن الهجرة الهلالية القادمة من مصر، والمتبوعة بهجرات من بلاد الحجاز استقرت في البلاد الليبية لاسيما برقة بعد أن أباد المعز قبيلة زناته البربرية في برقة.

ويشير العبدري في رحلته عند مروره ببرقة إلى فصاحة أهلها، واستخدامهم الإعراب بما لا تجده في سائر البلدان معللاً ذلك (وهو تعليل دقيق) بعدم اختلاطهم بغيرهم يقول:"وعرب برقة اليوم من أفصح عرب رأيناهم وعرب الحجاز أيضاً فصحاء، ولكن عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم فلم يختلط كلامهم بغيره وهم إلى الآن على عربيتهم لم يفسد من كلامهم إلا القليل ولا يخلون من الإعراب إلا ما لا قدر له، بالإضافة إلى ما يعربون .............. " وأخذ يذكر أمثلة على استخدامهم الإعراب وتصويبهم لأخطاء سمعوها من غيرهم، ثم ذكر ما يهمنا وهو استخدامهم لألفاظ هي ذاتها من احتاجت تفسيراً في كتب الغريب فيقول: "وأما نادر ألفاظ اللغة وما جرت عادة العرب بتفسيره فهم حتى الآن يتحاورون به على سجيتهم فمن ذلك أن شخصاً منهم وقف عليَّ بموضع نزولي من محلة الركب، وكانت الترعة منه بعيدة فقال لي: يا سيدي تدعني أظهر يعني أخرج، وسألت شخصاً عن الطريق فقال لي: إذا ظهرتم من الغابة فخذوا صوب كذا يعنى إذا خرجتم منها، وهذا اللفظ قد أكثر فيه أهل الغريب في تفسير قول عروة بن الزبير لقد حدثتني عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر، وأتوا عليه بشواهد وأمثال، وسمعت صبياً منهم ينادي في الركب يا حجاج من يشترى الصفيف، فلم يفهم عنه أكثر الناس فقلت له: اللحم معك؟ فقال: نعم. وأبرز لحم ظبي مقدد، وهذا اللفظ ذكره مالك رضي الله عنه في الموطأ وتهمم بتفسيره فقال بأثر الحديث: والصفيف: القديد، وسألت شخصاً عن ماء هل هو معين؟ فقال لي: هو ماء غدق. وهذا اللفظ فسره أبو عبيد في غريبه، وسمعت آخر وقد ازدحم الناس في مضيق وهو يقول تنحوا عن الدرب، وما يتكلمون به من الغريب أكثر من أن يحصى ..... " وإذا تأملنا في عبارته: "وما يتكلمون به من الغريب أكثر من أن يحصى" لمسنا أن الرجل استمع إلى ألفاظ كثيرة من أهل برقة هي في أعلى درجات الفصاحة وهو ما سيقدم هذا البحث شيئاً منه.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير