تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

- ولا ينبغي أن تؤدي قلة الخلطة إلى ترك النصيحة للمسلمين، وإلى ترك الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجد طالب التزكية قدرة على هذه الأمور فليفعل، إن كان أهلاً لذلك في علمه وحكمته وشجاعته، قال تعالى ذاكراً قول نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، ولا ينبغي أن تكون هذه الأمور على حساب إصلاح نفسه، فواجب إصلاح النفس مقدم على إصلاح الغير لقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وإن استطاع الجمع بين إصلاح نفسه وإصلاح غيره فلا ينبغي أن يتعلَّل بإصلاح نفسه.

ومن اشتغل بإصلاح نفسه وإحياء قلبه أهَّلَه الله بعد ذلك لأن يكون داعية ومصلحاً في الناس، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122]، فإذا حصلت الحياة في قلب مؤمن كان أهلاً لأن يجعل الله له نوراً وبصيرة يمشي بها في الناس ويدلهم وينير لهم طريقهم.

الخلطة بالشيوخ المربين والصالحين وصحبتهم

أمرنا الله تعالى بصحبة الصالحين والصادقين، وحثنا على صحبة الأتقياء المحتكمين إلى حكم الله، يعرفوننا على الله ونتعلم منهم ديننا ويرشدوننا إلى الحق والتزكية، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، فأمرنا بأن نكون مع الصادقين، وإنما نكون معهم بمجالستهم والأخذ عنهم والتعاون معهم على الخير والحق.

وقال سبحانه: {واتبع سبيل من أناب إليّ}، فأمرنا أن نجعل كل من رجع إلى الله وإلى أحكامه محلاً نتبعه ونقتدي به ونأخذ عنه ونقلده فيما اتبع فيه الحق وفيما أناب فيه إلى الله وإلى أحكامه.

وقال عز وجل: {الرحمن فاسأل به خبيراً}، فأمرنا أن نتعرف على الله من خلال سؤال الخبيراء العارفين بالله وبصفاته.

وقال سبحانه: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}، فبين في هذه الآية أن أقدر الناس على الهداية من كان من أهل الولاية والصلاح والعلم والإرشاد، فالضال لا يستطيع أقدر الناس على الهداية أن يهديه، أما من يريد الهداية فسيجد في هؤلاء الأولياء المرشدين سبباً ووسيلة للوصول إلى الهداية، بعد إرادة الله وتوفيقه وهدايته.

وقد أخذ الصحابة العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ التابعون عن الصحابة، فمن السنة الشرعية أن يأخذ الإنسان العلم والتربية عن أهلها جيلاً عن جيل.

وإذا كانت علوم الدنيا وأعمالها تحتاج إلى معلم، فكيف بمن يطلب طب النفوس، ومعرفة الله العظيم، أفلا يحتاج إلى معلم ومربٍّ.

وقد أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على صحبة أصحابه الصادقين: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم}، والصالحون والعلماء الوارثون النائبون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يصبروا كذلك على تلامذتهم في تعليمهم وتربيتهم.

وقد أُمِر المؤمنون الصادقون بصحبة أهل الإيمان «لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي» (10)، كما أمروا بأن يبتعدوا عن صحبة الأشرار والغافلين الذين أرادوا الدنيا بدل الآخرة: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم}، وقد أمرنا بالخروج من مجالس من يخوض في الباطل، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاستقامة على أمره، وأن يدلّنا على الصالحين، وينفعنا بصحبتهم، ونسأله أن يجعلنا من الصادقين ومعهم، إنه حميد مجيد.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الهوامش:
(1) حديث صحيح، أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه، وفي بعض روايته: لفظ المؤمن بدل المسلم، ولفظ أفضل بدل خير، وفي رواية أخرى لفظ أعظم أجراً.
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) انظر هدي النبي r في الاعتكاف، في كتاب ابن القيم: «زاد المعاد في هدي خير العباد» 2/ 85.
(4) حديث صحيح، أخرجه أبو داود 4343 والنسائي 10033، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 205.
(5) حديث حسن، أخرجه ابن ماجه رقم 4014.
(6) أخرجه مسلم.
(7) أخرجه البخاري ومسلم.
(8) شعف الجبال: حشيشه وكلأُه، مواقع القطر: محل المطر والماء.
(9) أخرجه البخاري، والحديث يشعر بأن الإنسان إذا لم يفعل ذلك في ظرف الفتنة فلا يخلو من أن يدخله المال الحرام.
(10) أخرجه الترمذي وأبو داود وابن حبان.

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير