تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[لماذا قام الرسول؟!]

ـ[الطائي]ــــــــ[16 - 06 - 2005, 09:59 ص]ـ

جلس الصحب الكرام تحفّهم السكينة والطمأنية، وتظلّلهم الرحمة، ليس لأنّ مجلسهم عامرٌ بذكر الله فحسب؛ بل لأن بينهم سيد الخلق، وإمام الأنبياء محمداً صلى الله عليه وسلّم.

فجأةً سمع الجمع المبارك خفق نعالٍ ولغطاً ونشيجاً يتردّد صداه المكتوم على مقربة من المكان، فأفاق الجمع على تلك الأصوات التي كدّرت عليهم صفو سكينتهم، والتفتت الأعين صوب مصدر الأصوات؛ ولكنها عادت كأن لم تَرَ شيئاً، وكأن الأمر لا يستحق حتى محاولة إشباع غريزة الفضول.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى اقترب مصدر الصوت ومرَّ أمام المجلس المهيب، وإذا هو جنازة يحملها جماعة من الناس يبكي بعضهم بصوتٍ جريح، بينما يتردّد أزيز العبرات في صدور البعض الآخر.

يبلغ الإنسان حضيض الضعف عندما يموت، يتحوّل إلى (شئ) يُحمَل ويُنقَل، ولا حول له ولا قوّة!!

أشاح الصحب الكرام وجوههم عن هذا المنظر كأنّه لا يعنيهم، وتوجّهوا بأبصارهم نحو مصدر النور في مجلسهم الطاهر، نحو نبيِّ الرحمة والهدى يستزيدونه نوراً وعلماً؛ فلم تكد أبصارهم تستقرّ عند هالة النّور المحيطة بوجهه صلى الله عليه وسلّم حتى حدث ما لم يكونوا يحتسبون، لقد فَرَدَ الرسول الكريم قامته الشريفة وهبَّ واقفاً!!

سَرَتْ في المجلس حركة سريعة، حركة تلقائية يحتّمها الأدب مع نبيّ الأدب، فتمثَّل الجميعُ قياماً تسابقهم الدّهشة!!

عقدت الدَّهشةُ ألسنة الجميع، بينما نجح أحد الألسنة في التغلّب على عِقال الدهشة فخرجت كلماتٌ محاطةٌ بنبرة متراخية يمتزج فيها التعجب والتساؤل: يا رسول الله!! إنها جنازة يهوديّ!!!

لم تغيّر هذه الكلماتُ الهاربة من سَمتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ووقاره، وهو يقف أمام مشهد الموتِ الذي قال عنه يوماً (كفى بالموت واعظاً) بل التفت إلى الجميع والسكينة لا تفارق مُحيّاه الطاهر، وقال بصوتٍ خاشعٍ تتقاطر منه الرحمة: (أليسَتْ نفساً)!!!

أيها القراء الكرام، نحن نعلم أن اليهوديّ نجس؛ جسده نجس، طويَّته قذرة، نيّته نتنة، روحه ممتلئةٌ عفَناً، تفوح حقداً وحسداً و ... (أُحيلكم إلى قواميس اللغة باب الألفاظ المقذعة لتكملوا بقية الوصف)!!!

لكنني أتساءل هنا: ما هذه النفسُ التي تستحقّ أن يقف الرسول صلى الله عليه وسلّم لها، حتى وإن كانت تتردّد بين جسدٍ عفِن وروح شريرة؟!!!

لستُ في مقالتي هذه داعياً إلى هينمات الفلاسفة وجدلهم الذي لا ينتهي حول الفرق بين الروح والنفس، فَلِلْفَلاسفة أقوالٌ لو أمضيتُ الدهرَ كلّه محاولاً فكّ طلاسمها ما اهتديت إلى ذلك سبيلاً.

غيرَ أنّي أدعو الأعضاء الأكارم إلى التعليق على تساؤلاتي الآنفة بما يخطر على بالهم فور الانتهاء من قراءتها، إن رأوا فيها ما يستحقّ القراءة.

هل أحظى بإشراقات الأعضاء هنا، أم سأُتْركُ وحدي مثرثراً في محاولة لإبعاد الارتياع عن نفسي التي تخاف ظلمات الأسئلة؟!!!

لكم التحية ...

ـ[باوزير]ــــــــ[16 - 06 - 2005, 05:35 م]ـ

جزاك الله خيرا أستاذنا الطائي، وأشكرك على أسلوبك الجميل.

ولا أدري بم أشارك معك ولا أحسن أسلوبك الرائع ولكن أحببت المشاركة في موضوعك المفيد الذي طرحته:

هذا الحديث الذي ذكره الأستاذ الطائي حفظه الله أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وغيرهم.

فيه من الفوائد ما يلي:

1ـ تعظيم أمر الموت: فقد جاء في حديث آخر صحيح أخرجه النسائي وابن ماجه: مرت بنا جنازة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقمنا معه، فقلت: يا رسول الله! إنما هي جنازة يهودية؟! فقال: إن للموت فزعا، فإذا رأيتم الجنازة فقوموا.

وقال القرطبي: معناه أن الموت يفزع منه، إشارة إلى استعظامه، ومقصود الحديث أن لا يستمر الإنسان على الغفلة بعد رؤية الموت، لما يشعر ذلك من التساهل بأمر الموت، فمن ثم استوى فيه كون الميت مسلما أو غير مسلم.

وقال غيره: وفيه تنبيه على أن تلك الحالة ينبغي لمن رآها أن يقلق من أجلها ويضطرب، ولا يظهر منه عدم الاحتفال والمبالاة.

2 ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قام لليهودي بل قام هيبة لأمر الموت كما سبق وقام تعظيما للملائكة كما روى النسائي والحاكم وغيرهما أن جنازة مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فقيل إنها جنازة يهودي فقال إنما قمنا للملائكة.، وللحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وغيره: قالوا: يا رسول الله تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها فقال نعم قوموا لها فإنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس.

3 ـ اختلف أهل العلم هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم للقيام وأمره به للوجوب أم للاستحباب؟ الراجح كما عليه الكثير من أهل العلم أنه للاستحباب لما جاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قام للجنازة وقعد

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير