تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

ومع هذا؛ فالأئمة رحمهم الله لم يزالوا على ما عُهِدَ عن سلف هذه الأمة رحمهم الله من العنايةِ بالروايةِ؛ وطلبِ الإجازةِ مشافهةً ومكاتبةً من علماء الأمصار؛ والإكثارِ عن الشيوخ؛ حتى بعد مُضيِّ زمن الرواية؛ بلْ وإلى زَمانِنَا هذا، فكيف يكون إجماعُهُم على هذا؛ مع ما بذلوه فيه من الجهد وأنفقوه من الأعمار وصنفوا فيه من التصانيف كالفهارسِ والأثْباتِ ومعاجم الشيوخ وغيرها؛ لا يقدم ولا يؤخر؛ وإنما هو للبركة فحسب؟!.

وقد مَنَّ الله تعالى على الفقير إليه سبحانه بِتَتَبُّعِ ما عنَّ له من فوائدها؛ وتقييد ما سنحَ من عوائدِها؛ مُعَنْوِناً مُحتواها ب (الوِجازة في محاسن الإجازة)؛ فتحصَّل له منها جملةٌ صالحةٌ مُباركةٌ ولله الحمد؛ فإن أصاب ففضلُ الله وحده؛ وإلا فلأهل العلم أيدهم الله أن يُصَوِّبوا من عَمَلِهِ ما يُكمِّله؛ والله الموفق سبحانه.

فصْلٌ في تَقْسِيمِ المَحاسِنِ وَالمَنافِعِ

والذي أقوله في الجملة أولا: إن المحاسنَ والمنافعَ لما كانتْ حِسِّيَّةً ومعنويةً جرتْ العادةُ بالتعلُّقِ بالحسِّيِّ منها أكثرَ من المعنوي؛ لأنَّ الأوَّل أسهل تناوُلاً؛ وأيسرُ من حيثُ تعلقِ النفسِ بنفعٍ ظاهرٍ لا يكون في تحصيلِهِ كبيرُ مشقة؛ بخلاف الثانِي فإنه يحتاج إلى مزيدٍ من الجهد يُبْذلُ في تحصيله؛ من لَفتِ الأنظار إليه؛ والحثِّ على مُجاهدة النفسِ لِجَني ثمرته؛ مع افتقاره إلى دقَّةٍ في النظر؛ وحصافةٍ في الفكر؛ وفهم يمنُّ الله به على من يشاءُ من عباده؛ وليس ذلك ميسوراً لكل أحد.

والنسبةُ بين المنفعتين كالنسبة بين العلم والعمل؛ فظهورُها في الأول حملت الناسَ على الإقبالِ عليه؛ وخفاؤُها في الثانِي جَلَبَ الإعراضَ عنه؛ مع ما أشرنا إليه من الفرقِ بينهما؛ فتأمل.

على أن ذلك لقصورٍ في الأنظار ولا بد؛ وليس يُجْبَرُ هذا إلا بدلالة الشرعِ على الثمرةِ؛ والتأمل في حسن العاقبة. والله المستعان.

وربما كان النفعُ المعنويُّ أرجحَ من حيثُ الجملةِ من الحسي؛ بل هذا هو المتحقق في أمور الشرع كلِّها؛ نعم قد يظهر الحسيُّ ويشتهرُ ويُقَدم لعارض أو لحاجةٍ داعيةٍ إليه؛ ثم يزولُ بزوالِهما؛ فمن أدرك كُنهَ الحقيقة علمَ أن زوالَ الظاهر الحسي لا يلزم منه زوالُ المعنوي الأصلي؛ بل المعنويُّ هو المقصودُ أصالةً؛ والله أعلم.

يوضح هذا ما أشرنا إليه من مِثالِ العلم والعمل؛ فإنه لَما غلبَ على أكثرِ طالِبِيهِ استجلابُ النفعِ الدُنيويِّ به وهو النفع الحسيُّ الظاهرُ من طلب الصدارةِ؛ وحُصولِ الوجاهة والتقدم بين الخلق؛ واستِدْرارِ الأرزاق والمناصب به؛ سبقَ إلى الظنِّ الكاسِدِ أنه متى فاتت هذه المنافعُ خلا العلمُ عن منفعةٍ يُطلبُ لأجلها!؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

للإجازَةِ مَنْفَعَتانِ؛ حِسِّيَّةٌ ومَعْنَوِية

ويظهرُ لي والله أعلم أن الإجازةَ مندرجةٌ تحت هذا الباب؛ وأن لها منفعتين:

منفعةً ظاهرةً حِسِّيَّةً؛ وهي التي مضت بِمُضِيِّ القرونِ الأولى؛ إذ كان الإسنادُ من الدين لتمييز الطيبِ من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث؛ ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء.

ومنفعةً معنويةً باقيةً إلى يومنا هذا وإلى ماشاء الله؛ بعْد أن دُوِّنَتْ الروايات؛ وجُمعت في بطون المصنفات؛ ولله الحمد. وهذا القسم من المنافع أُبَيِّنُه فيما يلي:

المنْفَعَةُ الأولى:

فمنه: وصلُ حبلِ الراوي بحبلِ سيدِ الأنبياءِ والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه بعروةٍ وُثْقَى لا تنفصم؛ للدلالةِ على أن أشرفَ الانتسابِ هو الانتسابُ إليه؛ وأنّ التعْويلَ في سلوك السبيل الموصلِ إلى مرضاة الله تعالى عليه؛ فكل طريق إلى الله عز وجل من غير طريقه مسدود؛ كما أن كل نَهْجٍ خالف نَهْجَهُ فهو داحض مردود.

وفي هذا قيامُ المُذكِّرِ والواعظِ في قلوبِ أعلامِ السالكين من علماءِ الدين بالدلالةِ على السبيل؛ وكأنما يتلى عليهم قول الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

لطيفَةٌ وعِبْرَةٌ في أَسانيدِ مُحَدِّثَي الهِنْد، وأنَّ اللهَ تعالَى أبْقَى ما يَنْفَعُ مِنَ الحقِّ؛ وأَذْهَبَ دَوْلَةَ أهْلِ البِدَعِ جُفاءً!.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير