تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

تفضيل الذئاب على كثير ممن يلبس الثياب

ذئب الفرزدق

ـ[رؤبة بن العجاج]ــــــــ[16 - 10 - 2010, 05:54 م]ـ

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى

أما بعد

ظنّ الحطئيةُ فوتاً ثمّ روّعهُ .... ذئبُ الفرزدق يعوي وهو أبّازُ

فصاح يا ذئبُ إني في جوار بني ... لأي بن شمّاسَ وازحلْ , دونكَ البازُ: rolleyes:!


وأطلس عسال وما كان صاحبا ... دعَوت بناري مَوهِنا فأتاني
فلما دنا قلت ادن،دونك، إنّني ... وإياك في زادي لمشتركان
فَبِتّ أقُدّ الزاد بيني وبينه ... على ضَوء نارٍ مرّة ودخان
فقُلت له لمّا تكشّر ضاحكا ... وقائم سيفي من يدي بمكان
تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما ... أخَيّيْن كانا أرضِعا بِلَبان
ولو غيْرَنا نبّهتَ تلتمس القِرى ... أتاك بسهم أو شَباة سِنان
وكلّ رفيقَي كلّ رحل وإن هما ... تعاطى القنا قوماهما أخَوان
وإنا لَتَرعى الوحشُ آمنةً بنا ... ويرهبنا – إن نغضبِ- الثقلان
تميمٌ إذا تمّت عليك فإنها ... كليلٍ وبحرٍ حين يلتقيانِ!

ليس عن فرز كان اختياري لهذه المقطوعة من شعر الفرزدق العريق

إنها مقطوعة تتربع على كل اختيار
تربع الذئب على ربوة الليل!

بدءً أقول

عندما ينتقل الشاعر من خطابه بني جنسه

إلى مخاطبة من لا يعقله ولا يتفهمه

كالجماد والحيوان

فإن للشاعر مرمىً آخر ليس سذاجة بعقله أو ثرثرة بلسان

إنه يخاطب بني جنسه بلغة
إياك أعني واسمعي يا جارة

والطريف أن وراء كل هذا العواء والهدير والأجيج والغضب

امرأة!

فهل يصح أن نقول

وراء كل نص عظيم امرأة!

ما يميزهذه المقطوعة عن ما سواها
وبالأخص عن أخواتها اللواتي حملن نفس الفكرة

خطاب الذئاب

بدءً من ذئب امرئ القيس

وانتهاءً بذئب البحتري

أن الشاعر هنا ارتفع عن وظيفته التي كان مشهوراً بها

وهو أن يكون لسان قومه عند غيرهم

ليصبح لسان بني جنسه عند غيرهم!

فهو يخاطب الذئب كأنه ترجمان بني آدم!

والمتحدث الرسمي عنهم

بل ويكرم الذئب بالنيابة عنهم!

-وكان الفرزدق جواداً كريماً-

وكفى بها تيهاً في نفس الفرزدق
الذي كان يرضرض بصخرته رأس كل شاعر!

وهذه الأبيات ما هي إلا إثبات من الفرزدق
أن ضلاعته في الشعر تؤهله أن يوصل إليك المعنى الذي يريده هو
من خلال النص الذي لا تتوقعه أنت

ليس في هذا النص

إلا الليل

وضوء النار

والدخان

والفرزدق

والذئب

جو رهوب

وضيف غير مرغوب

و كأن الفرزدق يريد أن يقول
أنه لا يبالي أوقع عليه ذئب أو إنسان

- واسمعي يا نوار -

و إنه في حرارة غيظ أخرجته من جلدة إنسانيته
حتى استطاع أن يخاطب الذئاب ويحاورها بكل طلاقة وبيان

بل ويعدها ضيفاً من أضيافه

كضيوف بني آدم تماماً

وكأنه يقول

ما المفرق بينك يا ذئب وبينهم!

كي لا تكون ضيف ليلتي!

وقبل الخوض في العمق
نقف على شط قوله

فقلت له لما تكشر ضاحكاً ... وقائم سيفي من يدي بمكان

هذا من أروع ما قيل في اليقظة
والتأهب لعدوان من لا يؤمن جانبه!
والالتفاف بمن يحاول أن يلتف بك

وكأن الشاعر يقول إني مقروص ملدوغ
فلا تظنني غرّ التجارب!

ثم قال بعدما تفقّد سلاحه:

تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وانظر إلى هذا الطلب

تعش ..

فإن عاهدتني لا تخونني

نكن يا ذئب كالأصحاب تماماً!

ما الذي دعاه إلى ذكر الصحبة أصلاً؟

أي وحشة تلك التي هي في قلب الشاعر
فيستأنس بذئب يقتات من فضل طعامه!

ومن نباهة الشاعر أنه قرص أذن الذئب بعد ذكره طلب الوفاء

مبيناً له أنه لا يجهل ماضيه الأسود!

وعلاقته الحميمة مع الغدر!

وأنت امرؤٌ يا ذئبُ والغدرُ كنتما ... أخيين كانا أرضعا بلبانِ

الشاعر يعاني
يعاني معاناة مرّة!
ربما تفهمها الذئب وهو يشاهد آدميّاً يحاوره!

وعهد الذئب ببني آدم أنه إن اقترب منهم ملتمساً جودهم

فسيكون قراه كما قال الفرزدق

ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى .. أتاك بسهمٍ أو شباة سنانِ!

لعل الذئب وهو آخذ ما ألقاه الفرزدق بفكيه

تمنى تلك الساعة

لو مسخ كلباً يصاحب هذا الشاعر في أسفاره!

القصيدة كلها مشهد منظور مسموع مشموم كذلك!

فلون الذئب الرمادي يتناغم مع حمرة نار الموقد وظلمة ليل المبيت

وصوت ضراعة الجوع يظهر في قوله تكشر ضاحكاً

فهو من جهد جوعه لم يقوَ على العواءَ!

ورائحة دخان الحطب تفوح في أجواء النص

وكأنك تختلس المشهد من خلل ذرّات الرماد المتطاير

من خيوط الدخان المتصاعد

وحركة الذئب يعسل نحو النار

تتوافق و تأهبات الفرزدق بسلاحه

إلى جانب شروعه في تقسيمه حظ الذئب من طعامه

النص كله

مرهب

مهيب

مثير

مدهش

مذهل

حزين

موجع

وهكذا أضعه بين أيديكم

ولعل ذئباً من نسل هذا الذئب

يكرمنا بالزيارة ليلةً ما

تقديراً على تكريمنا بذكرى جده: rolleyes:

ملاحظة البيتان الأخيران وضعتهما لإعجابي بفخره

وجميل ما وصف قومه بني تميم بقوله

تميم إذا تمت عليك فإنها

كليلٍ وبحرٍ حين يلتقيانِ

وانظر إلى التناهي في صورة التقاء البحر والليل!

دمتم مسددين

والسلام عليكم أجمعين
¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير