تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[هل هذه القصة صحيحة؟؟]

ـ[السلمي الجزائري]ــــــــ[17 - 10 - 2010, 09:17 ص]ـ

«مَا تَقَعَّرَ إلاّ حِيْنَمَا انْقَعَرُوا»

وهوَ مَثَلٌ يُقَالُ فِيْمَنِ اضْطُرَّ إلى المُجَارَاة، وسَاقَتْهُ إلى ما لا يَوَدُّ خُطَاه، والتَّقَعُّرُ تَكَلُّفُ الفَصَاحَة، واجْتِنَابُ اللِّيْنِ والسَّمَاحَة، والانْقِعَارُ مُنْتَهَى التَّقَعُّر، وغَايَةُ التَّخَلُّفِ والتَّقَهْقُر، وانْقَعَرَ الرَّجُلُ يَنْقَعِرُ انْقِعَارا، أَيْ تَرَكَ القَوْمَ مِنْ تَقَعُّرِهِ حَيَارَى، وانْقَعَرَتِ المَرْأَةُ فهيَ مُنْقَعِرَة، أَيْ خَارَتْ خُوَارَ البَقَرَة، والمُنْقَعِرُوْنَ جِنْسٌ مِنَ المُتَقَعِّرِيْن، أَسَاسُهُمْ في العِيِّ مَتِيْن، يَلْهَجُوْنَ بِغَرِيْبِ الأَحَادِيْث، ولَمْ تَزَلْ تَأْكُلُهُمُ البَرَاغِيْث.

وأَصْلُ المَثَلِ أَنَّ شَاعِراً رَقِيْقَ اللَّفْظ، رَمَاهُ عَلَى المُنْقَعِرِيْنَ سُوْءُ الحَظّ، وكَانُوا مَعَ انْقِعَارِهِمْ غِلاظَ الطَّبْع، يُعَامِلُوْنَ النَّاسَ بِالزَّجْرِ والرَّدْع، كَثِيْرِي الارْتِيَابِ في المَقَاصِد، وسِوَاهُمْ مِنَ العَالَمِيْنَ فَاسِد، يُؤْثِرُوْنَ الرَّثَاثَةَ والانْطِوَاء، وعَلَيْهِمْ مِنَ التَّجَهُّمِ سِيْمَاء، فرَغِبَ الشَّاعِرُ أَنْ يُلاطِفَهُمْ بِالشِّعْر، ويُرَقِّقَ طِبَاعَهُمْ بِمَا يُلِيْنُ الصَّخْر، فأَنْشَدَهُمْ فُنُوْنَ الأَعَاجِيْب، مِنْ وَعْظٍ ومَدِيْحٍ ونَسِيْب، وحِيْنَ كَانَ مُسْتَغْرِقاً في الإنْشَاد، كَانُوا يَرْمُقُوْنَهُ بِالنَّظَرِ الحَادّ، ولَمَّا فَرَغَ مِنْ تِلْكَ المَوَاجِد، انْبَرَوا عَلَيْهِ بِقَلْبِ رَجُلٍ وَاحِد، فأَرْجَفُوا في ذَمِّهِ وأَطَالُوا، وكَانَ مِنْ بَعْضِ ما قَالُوا:

لَقَدْ تَزَبَّبْتَ يَا حِصْرِم، وَخُضْتَ العُبَابَ الخِضْرِم، وَاشْمَخْرَرْتَ بِمِعْطَسٍ أَفْطَس، وَمِثْلُكَ بَعْدُ مَا اقْعَنْسَس، وَتَزْعُمُ أَنَّكَ الجَحْجَاحُ القُدْمُوْس، وَمَا جَزَاؤكَ إلا النُّقَاخُ بِالعَسَطُوْس، تَتَكَأْكَأُ عَلَى الشِّعْرِ الوَاهِن، وَتُثِيْرُ اخْرِنْطَامَنَا بِالمَلاحِن، وَتُنَاطِسُ في الوَعْظِ الزَّاجِر، وَأَنْتَ هِلَّوْفٌ فَاجِر، وَتُسَامِقُ بِالتَّمْدَاحِ الكَاذِب، بَكَتْ عَلَيْكَ النَّوَادِب، وَتُطَرْبِلُ شَرَاسِيْفَكَ بِالمُجُوْن، وَتَسْحَنْفِرُ فِيْهِ يَا مَأْفُوْن، فَيَا لَكَ مِنْ عَصَبْصَبٍ مُنْدَمِك، لا وَدَعَ اللهُ غَارِزاً في فَمِك، هَلاَّ أَطْسَأْتَنَا بِشِعْرٍ كَشِعْرِ أَبِي عِجَانَة، أَوْ كَشِعْرِ ابْنِ خِرِنْبَاعَ مُسْحَوْحِقِ المَكَانَة. (1)

فأَدْرَكَ الشَّاعِرُ أَنَّهُ يَنْفَخُ في رَمَاد، ويُخَاطِبُ جَمَاعَةً مِنْ قَوْمِ عَاد، ثُمَّ حَمَلَهُ الهُزْءُ بِهِمْ عَلَى المُعَاوَدَة، فهَذَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الغَدِ جَلامِدَه، وأَنْشَدَهُمْ شِعْراً يُحَيِّرُ الجَان، ولا تَصِلُ إلى مَعَانِيْهِ الأَذْهَان، فكَانُوا يَسْتَزِيْدُوْنَ إنْشَادَه، ويَسْأَلُوْنَ لَهُ اللهَ السَّعَادَة، وهوَ أَثْنَاءَ ذَلِكَ يَخْلِطُ البُرَّ بِالشَّعِيْر، وهُمْ يَقُوْلُوْنَ: لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ نِحْرِيْر، وكَانَ مِنْ جُمْلَةِ ما نَفَثَه، قَوْلُهُ غَفَرَ اللهُ عَبَثَه:

تَخَامَطَتْ في نَخَا المِطْنَاخِ خَامِطَةٌ ... وَالخَامِطُوْنَ عَلَى مِرْبَاخِهَا نَخَرُوا

مِنْ كُلِّ مِطْنِيْحِ قَفْحٍ أَوْ أَخِي كَرَحٍ ... لا يَسْتَوِي عِنْدَهُ المِحْرَاحُ وَالشَّحَرُ

تَقَرْفَطَتْ في طُقَاهُمْ كُلُّ قَارِطَةٍ ... يَكَادُ مِنْ طُرْقَطِيْهَا المَقْطُ يَنْطَشِرُ

لا شَيْءَ يَشْرَخُها إلاَّ إذا انْشَرَخَتْ ... وَبَانَ في شُرُخَاتِ الرَّشْخِ مُنْشَخِرُ

فَكُلَّمَا زَمْقَطَتْ في الزَّامِقِيْنَ بِهَا ... تَقَرْمَزُوا فَتَقَازَى حَوْلَهَا القَزَرُ

قَامُوا عَلَيْها شَرَافِيْخاً مُقَرْشِفَةً ... وَعِنْدَمَا قَرْفَشُوْهَا قَرْفَشَ القَشَرُ

هَيْهَاتَ يَخْثُلُهَا الثَّاخِي عَلَى ثَخَنٍ ... أَوْ أَنْ يُثَاخِمَهَا المُخْرَنْثِطُ الخَثِرُ

كَمْ صَارَدُوْهَا عَلَى الصَّفْصَاعِ فَانْصَرَدَتْ ... حَتَّى تَصَرْدَلَ مِنْهَا الصَّخْوُ وَالفَصَرُ

فَاسْتَرْضَغَتْ بَعْدَ أَنْ ضَاغَتْ مَرَاضِغُهَا ... ضَغْبَاءَ وَضْغَاءَ مَضْغُوْباً بِهَا الغَضَرُ

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير