تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أمَّا التساؤُل عن حُجِّيَّةِ (قولِ)! التابعين؛ فليس وارداً -ها هُنا- بحثُهُ؛ لأنَّ كراهيَّتهم -هذه- رحمهُمُ اللهُ -هُنا- مبنيَّةٌ على (فَهْمٍ) سديدٍ لِنَهْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في الدُّعاءِ؛ يلتقي أصلاً شرعيًّا عظيماً هو حُسنُ الظنِّ بالله -تعالى-؛ مع ضميمةِ استحضارِ المعنى الغَيْبِيِّ لاستِحْقاقِ النَّارِ، ودُخولها -كما تقدَّم- ...

وما أثرُ عُمَر بن عبد العزيز عنّا ببعيدٍ!

فيُخْشَى -أُكَرِّرُ: يُخْشَى! - على مُخالِف هذا المعنى الإيجابيِّ الدخولُ في (بعضِ!) ما يدلُّ عليه قولُ الله -عزَّ وجَلَّ-: {أتستبدلونَ الذي هُو أدْنَى بالذي هو خيرٌ}؟!

وعليه؛ فلا خَلَلَ -كما قالَ بعضُ الحريصين- في استخراجِ معانٍ صحيحةٍ، أو استنباطِ ألفاظٍ فصيحةٍ ممّا وَرَدَ في الكتابِ الكريمِ، أو في سُنَّةِ النبيِّ العظيمِ صلى الله عليه وسلم؛ بشرطِ أن لا تُخالِفَ -أو على الأقل: تبدُو مُخالِفةً! - لِنَصٍّ شرعيٍّ- كتاباً أو سُنَّةً-.

وأخيراً:

ما قيلَ في «اللهمَّ أعْتِقْنِي مِن النَّار» يُقال -هُو نَفْسُهُ- في: «اللهمَّ زَحْزِحْنِي عَنِ النَّار» -سواءً بسواءٍ-؛ فكأنَّ العبدَ -بهذا الدُّعاءِ الأخيرِ! - على أبوابِ النِّيران! ويسألُ ربَّهُ أنْ يُزَحْزِحَهُ (!) عنها!!

فأينَ هذا مِن قولِه صلى الله عليه وسلم:» إذا سألتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ؛ فإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلَى الجَنَّة»؟! «البخاري» (2637)؛ «فإنَّ اللهَ لا مُكْرِهَ لهُ»، [رواهُ البخاريُّ (5980)، ومسلم (2679)]-، وقولِه صلى الله عليه وسلم: «إذا دَعَا أحدُكُم فلا يَقولُ: إنْ شئتَ؛ ولْيَعْزِم المسألةَ، ولْيُعَظِّم الرَّغْبَةَ؛ فإنَّ اللهَ لا يَعْظُمُ عليه شيءٌ أعطاه» [«صحيح الأدب المفرد» (607)].

وما ذكرتُهُ -ثَمَّةَ- مِن أهميَّة حُسْنِ الظنِّ بالله -تعالى- لا يُعارضُ -ألْبَتَّةَ- لُزومَ الخوفِ مِن الله -عزَّ شأنُهُ-؛ كما رُوِيَ أنَّ أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على شابٍّ في الموت، فقال له:

«كيف تجدك؟!».

قال: أرجو اللهَ -يا رسولَ الله-، وأخافُ ذنوبي.

فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

«لا يجتمعان في قلبِ عبدٍ -في مثل هذا الموطن- إلاّ أعطاهُ الذي يرجُو، وأمَّنَهُ ممّا يخاف».

رواهُ النَّسائيُّ في «الكُبرى» (10901)، والترمذيُّ (983)، وابنُ ماجه (4261) وغيرهم-.

وحسَّنَهُ شيخُنا في «صحيح الترغيب» (1271).

وهذا معنى ما وَرَدَ عن بعضِ الصحابةِ رضي الله عنهم:

فقد رَوَى الطبريُّ في «تفسيرِه» (20478)، والبيهقيّ في «القضاء والقدر» (189)، والدولابي في «الأسماء والكُنى» (1/ 155)، واللالَكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (1206) مِن طُرُقٍ عن عُمَر بن الخطّاب قالَ:

«اللهمّ إنْ كنتَ كتَبْتَنِي شَقِيًّا فامْحُنِي».

فهو -بتحفُّظِه-: يخاف، وبطلبِه: يرجو ..

وزاد السُّيوطيُّ في «الدّر المنثور» (8/ 471 - هجر) نسبتَهُ لابنِ المنذر، وعبدِ بنِ حُمَيْد.

وأخرجَهُ البَرْقانِيُّ -كما في «مُسند الفاروق» (2/ 593) - للإمام ابن كثير-رحمهُ الله-، وقال: «إسنادٌ حسن».

وروى الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (8847)، والطبريُّ في «تفسيره» (20477)، وابنُ أبي شيبةَ في «المصنَّف» (29530)، والبيهقيُّ في «القضاء والقدر» (188) عن ابنِ مسعودٍ -مثلَه- بأطولَ منه-.

وزاد السيوطيُّ نسبتَهُ في «الدر المنثور» (8/ 471 - هجر) لابن أبي الدنيا في «الدعاء».

وروى الفاكهيُّ في «تاريخ مكة» (1017) مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وروى السِّلَفِيُّ في «معجم السفر» (1239) والطبريُّ في «تفسيره» (20476) مثلََه عن شقيق -رحمه الله-.

وهذا -كُلُّهُ- يردُّ ما رواهُ الطبريُّ في «تفسيره» (20470) عن منصور، قال: قلت لمجاهدٍ: «إن كنتَ كتبتني سعيداً؛ فأثْبِتْنِي، وإن كنتَ كتبتَني شقيًّا؛ فامحُنِي؟!

قال: «الشقاء والسعادة قد فُرِغَ منهُما!».

وفي روايةٍ عند البيهقيّ في «القضاء والقدر» (رقم190) عن منصور، قال:

قُلتُ لمُجاهد: ما تقولُ في هذا الدُّعاء: اللهمَّ إنْ كان اسمي في السُّعداء فأثْبِتْهُ فيهم، وإن كان في الأشقياء فامْحُهُ منهُم، واجْعَلْهُ في السُّعداء؟ فقال: حَسَنٌ.

ثم مكثتُ حَوْلاً، فسألتُه عن ذلك؟ فقال: {حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِين. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم} [الدخان:1 - 4] قال: يُفْرَقُ في ليلةِ القدر ما يكونُ في السَّنَةِ مِن رِزْقٍ أو مُصيبة؛ فأمَّا كتابُ الشقاء والسعادة فإنَّهُ ثابتٌ لا يغير].

قلتُ:

لعلَّ مَكْمَن الإشكال في قولِ مُجاهد -رحمهُ الله- قائمٌ على مسألة (الرزق [والعمل]: قد يزيد وينقص)؟!

وقد سُئل شيخُ الإسلام -رحمهُ الله- عن ذلك؛ فأجاب -كما في «مجموع الفتاوى» (8/ 540):

«الرزق [والعمل] نوعان:

أحدُهما: ما علمه اللهُ أنَّه يرزُقُهُ؛ فهذا لا يتغيَّر.

والثاني: ما كتبه، وأعلمَ به الملائكة؛ فهذا يزيدُ وينقصُ بحسب الأسباب، فإنَّ العبدَ يأمُرُ اللهُ الملائكةَ أنْ تكتبَ له رزقاً، وإنْ وَصَلَ رَحِمَهُ: زادهُ اللهُ على ذلك؛ كما ثبتَ في «الصحيح» [البخاريّ (1961)، ومُسلم (2557). عن النبيِّ أنَّهُ قال: «مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسأَ له في أَثَرِهِ؛ فلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ...

ومِن هذا الباب قول عُمر ... ».

فذكره ...

وانظُر «شفاء العليل» (90) لابن القيِّم.

(تنبيهٌ أخير)

يُتَلَطَّفُ في بيانِ هذه المسألةِ -جِدًّا-؛ لِغَرابَتِها -أوَّلاً-، ولِفَضْلِ (الرِّفْق) -ثانِياً- مِن غير نكيرٍ ولا تشديد ...

واللهُ المُستعان.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير