تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ولا نزلت بلداً، ولا قابلت أحداً، إلا ترك في نفسي أثراً. فهل أقدر أن أحصي كم قرأت من الصحف، وكم لقيت من الناس، وكم رأيت من المسرات والأحزان، وكم قصدت من الأقاليم والبلدان؟! ".

اخترت هذه القطعة السابقة من كتاباته، لأنها تُعرِّف بعض خصائص أسلوبه، ولأنها تمثِّل نموذجاً كذلك.

ولكن النماذج الأدبية من كتاباته كثيرة، فأنى مددت يدك وأخذت من قطوفها، نلت ثمراً لذيذاً، أو زهراً فوّاحاً، كأنَّك تأخذ من بستان غني، أو روض ندي!

خصائص أسلوبه:

ومن أهمِّ خصائص أسلوبه الاستطراد، سواء أكان ذلك في الكتابة أو الحديث. ويقر هو بذلك، ويعتذر للسامع أو القارئ. ثمَّ يعود إلى الاستطراد، فما له منه فكاك.

وأسلوبه ممتع شائق بسهولته ولينه من ناحية، وقوة تركيبه وتجانس مقاطعه، وحلاوة ألفاظه. إنك حين تقرأ له تشعر أنه يحدثك أنت، وأنك معه جالس، وإليه مصغ.

وكلَّما خطرت الفكاهة له جعلها من أسلوبه. فاستمع إليه يحدثك عن الرياضيات: " ... ولكنني وجدت في الرياضيات مصيبة تهون معها المصائب، هي الجذر التكعيبي، ولقد مرضت بعد ذلك حتى أشرفت على الموت، وغرقت في بحر بيروت وأنا لا أحسن السباحة حتى عاينت الهلاك، وذقت السجن مدة يسيرة في حاشرة لا أستطيع من ضيقها أن أضطجع فيها، وضللت مرة ليلة بطولها .... ولكني لم أجد أشد ولا أصعب من الجذر التكعيبي .. ! وليس أصعب منه إلا حل رموز اللوحات التي وَضَعَتْها أمانة العاصمة في شوارع مكة لتدل الناس على الطرق فلم أقدر أنا ولا وجدت من قدر على حلها، حتى أخي شيخ أساتذة الرياضيات! شرق " أ " " ب " شمال، ق. ل. م جنوب غرب! ما معنى هذا؟! ولمن وضعت اللوحات؟! ما دام لا يفهمها الناس " (7).

وأسلوبه الساخر، أسلوب متميز يجمع بين الفكاهة والسخرية يقول: " فاستقبلني مرحِّباً وقال إنه كان يسمع ويقرأ مقالاتي ويتابع أخباري. وكان عليَّ أن أصدّقه أو أن أظهر أني مصدقه، ووجدت الموظفين يجلسون حوله كأنَّ على رؤوسهم الطير، فلا يتحركون خشية أن تطير. أما أنا فلم يكن على رأسي إلا طربوشي. ووجدتهم يعظمون فيه الكرسي، لا ينظرون إليه، وإنما أنا أرى الرجل وأكلمه، وأعطيه قدر ما يعطيني .... " (8).

والشيخ علي الطنطاوي يحلِّق في أسلوبه في الوصف، حتى يبلغ شأناً يعزُّ على الكثيرين بلوغه، فقد وصف دمشق، ووصف غوطة دمشق، ووصف نهر بردى، وامتدَّ الوصف في كثير من كتاباته، وبخاصة في رحلاته، والمناظر التي يراها، والآثار التاريخية التي يصل إليها.

ولنأخذ نموذجاً مختصراً من فيض يموج، يصف دمشق فيقول:

" ... والبساتين التي يضلّ فيها النظر سكران من الفتون، وهذه المنارات وهذي القباب، والمسجد الذي تكسّرت على جدرانه أمواج القرون وهو قائم، وارتدت عنه العصور وهو شامخ، يروي لأبناء الأرض تاريخ الأرض، منذ أن كان معبداً وثنياً إلى أن صار كنيسة نصرانية، إلى أن غدا جامعاً إسلامياً.

وهذا الجبل الذي يفتر أبداً عن مثل ابتسامة الأمل في وجوه المطالب ... ! لن تلقوا بعدها مدينة مثلها: ثيابها زهر، ونسيمها عطر، وحديثها شعر، وجمالها سحر ... ! إنها أقدم مدن الأرض العامرات، ماتت أخواتها من دهور وبقيت سالمة " (9).

لا تنفد النماذج لو أردنا زيادة الاقتباس، ولكننا نهدف إلى الإشارة إلى أسلوبه، والتلميح إلى بيانه.

نقده الأدبي:

ولا تقف الظاهرة الأدبية في كتابته فقط، وأسلوبه وصوره وسائر خصائصها، ولكنه ناقد فنان بنقده، محلل للنص الأدبي مبدع في تحليله، كأنَّه نهج خاص به كذلك، ينطلق من ذوق عال، وحس مرهف، واطلاع واسع، وذكاء حاد، كتب رسالة في التحليل الأدبي سنة 1934م، ظل راضياً عنها أبداً، معجباً بها! كانت الرسالة في أقل من عشرين صفحة تكلم فيها عن الحقيقة ومكانها في الأدب، وعرف الأدب، وفرق بينه وبين النقد، ثمَّ تحدث عن شخصية الأديب والعوامل التي كونتها (10).

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير