تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وثمة من يسألني هنا: لقد قدمت أنت برامج إذاعية لغوية ..... ومنها " وقفة مع اللغة " وقبل ذلك كتبت في " صدى التربية " في أواسط السبعينيات ست عشرة حلقة عن اللغة الصحيحة التي ترتئيها وهي " من أحشاء اللغة "، فلماذا تسلك سبيلاً تحرمه على غيرك (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)؟ فماذا تبغي؟ أفصح!

وقد أجبت عن هذا السؤال في كتابي " أدبيات " – مواقف نقدية " (ص 173) وبينت رؤيتي في فهم اللغة وتطورها، إذ أنني أصبو إلى ما يلي:

- أن نلفظ الكلمة الصحيحة كما اتفقت عليها المعاجم – دون اللجوء إلى الشاذ الغريب.

- أن ألفظ – على سبيل المثال - عَدي (بالفتح، وليس بضم العين التي تعني تصغير عدو)، وألفظ عَرَف - بفتح الراء، وأقول حَيْرة (مصدر حار) ... الخ، كما يجب الانتباه إلى صحة لفظ الأسماء التاريخية ونحوها.

- أن نحافظ على النحو والصرف بالقواعد المتبعة المألوفة، فلا أجيز " جاء أباك " حتى لو كانت هناك عشرات الشواهد. فعلينا مثلاً في الصرف أن نقول " ظرف معيش " لا " معاش " ولا نقول: " " الدولتان الأعظم " وقس على ذلك. ومع ذلك فثمة مجال للاشتقاق هنا وهناك، إذا جرى ذلك على أصول ومنطق صرفي معين.

- أن نتقبل الشائع إذا كان صحيحًا، أو أن نجد له تخريجًا لغويًا، فلماذا ألفظ " على الرُّغم " بضم الراء – ما دام الفتح فيها جائزًا، وما دامت هذه الطريقة طريقة لفظنا المألوفة؟!

- أن نستعمل الكلمة الأعجمية الشائعة في لغات العالم، وذلك إذا لم يكن لها بديل دقيق يؤدي دلالتها تمامًا، فأنا أستعمل في كتابتي " التلفزيون " و " الرادار " و " الكاسيت "و" الفيتامين " .... الخ؛ بل لا ضرورة للمزدوجين في كل منها. لقد أدخل العباسيون مثلاً كلمات مستحدثة وعرّبوها، فلا جناح علينا أن نسير سيرتهم. ومن يستصعب ذلك فعليه الر جوع إلى كتاب " لحن العامة " للزُّبيدي " عندها سيُفاجأ بكثير من الكلمات والألفاظ التي يريد صاحبنا أن يخرجها من دائرة العربية .... مع أنها اليوم في صميم اللغة وفي كل المعاجم.

- أن ننحت ونولد كلمات جديدة، فقد قمت شخصيًا بابتداع ألفاظ على نحو: " حتَّن " بمعنى وافى بآخر المستجدات (ويستعملونها في المغرب حيَّن) وقد أنشأتها من لفظتيْ (حتى الآن)، وأوجدت كلمة (مَشْرى) للمجمَّع التجاري و المِجواب للرد الآلي في الخلوي، و (الواقنسية) للشعر الواقعي الرومانسي و (الاجتأدبي) مختصرة من الاجتماعي – الأدبي، وثمة كلمات أخرى كثيرة لا مجال هنا لذكرها، وكلها تدل على محاولاتي الجادة بأن تظل العربية سائدة. وسائغة على الألسن، ولكل امرئ ما نوى.

- وكذلك الأمر أن نتقبل التعبير والأساليب التي لم يكن للعربية القديمة بها عهد، ولن يضار اللغة أن نسوق لها عبارة مترجمة عن لغة أخرى، فهذه اللغات أنهار تتلاقى شئنا أم أبينا. وتبقى هنا مسألة الذوق في قبول هذا الأسلوب أو رفض ذاك.

* * *

ـ[نائل سيد أحمد]ــــــــ[03 - 12 - 2006, 10:23 م]ـ

إن شجرة اللغة قد تتساقط منها أوراق ذوت، أو تراها أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، لكن هذه الأوراق (أعني الألفاظ والتعابير) سرعان ما تستبدل بأوراق أخرى يانعة دعت إليها الحاجة واستلزمها الظرف، والشجرة تبسق أصيلة شامخة. وهذا الفرع منها إذا انكسر فإنه لا يغير من اطراد نموها، وسيظل أصلها ثابتًا وفروعها الأخرى في السماء. ونحن العرب في هذا الوطن نصارع يوميًا في سبيل الحفاظ على أسباب حياتنا وتطورنا، ونحن نصطدم بواقع مغاير – واقع متحرك دينامي في المجتمع الإسرائيلي، وعلى لسانه لغة تحاول أن تأخذ من حضارتي وتراثي الكثير من فولكلور وألفاظ وآثار، حتى وصلنا بسبب هذه القوة الحضارية – اعترفنا أم لم نعترف – إلى أن هذه اللغة أخذت تقحم الجملة العربية، بل تتداخل في نسيج التعبير، وأضحى شبابنا ومثقفونا (من محامين وأطباء واختصاصيين وتكنولوجيين) يكررون على مسامعنا كلمات هي بالعبرية الفصحى.

هزني ذلك فكتبت مقالتي اللغة " العِرْبِية " عن اللغة التي لا هي عربية تعرف، ولا عبرية تفهم، فالأولاد يأخذون (البيجديمات)، واشتروا (كرطيسين)، وقس على ذلك.

وحاولت أن أقدم حلولاً افتراضية للخروج من هذا الخلط، أو على الأقل للتقليل منه.

¥

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير