تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

أتفق تماما مع ما ذهب إليه الكاتب في "الاقتصادية" الأستاذ إبراهيم العمار في مقالته المهمة "اللغة العربية هل تندثر؟ " على أن لغتنا العربية تواجه ومنذ زمن بدء الاستعمار الغربي لبلادنا العربية وامتداده اليوم حربا ثقافية شعواء متعددة الأساليب والطرق بهدف إضعافها وتهميشها لكونها تمثل مكونا دينيا وثقافيا وقوميا وعربيا, واستشرت في زمننا العربي المتردي هذا, ومن أجلى مظاهره ما نتعرض له من غزو عسكري وسياسي وثقافي وإعلامي دون أن يكون لنا فيه حول ولا قوة بما فيه حق الدفاع عن النفس, معاول هدم لغتنا العربية وبأشد ضراوة مما كانت ودون مواربة وبأخطر الأساليب المؤثرة, والمؤسف أن مثل هذه الحرب على لغتنا تجد لها مناخا مواتيا يسهم في إضعاف وجودها وبقائها كلغة ثقافة بالدرجة الأولى كإهمالنا لتعليمها الذي انعكس في ضعف لغة الأجيال الجديدة, وتأثر بعض منا باللغة الإنجليزية حتى باتت هي اللغة الأساسية في التعبير لديه كما يظهر في اعوجاج اللسان بحيث لا يتحدث الواحد منهم بلسان عربي مبين، بل يخلط به كلمات أجنبية وكأن لغته الأم قاصرة, فيما القصور فيه هو عندما تصور أن عدم استخدام كلمات إنجليزية في حديثه يقلل من قيمته العلمية والثقافية, وهذا أحد جوانب محاولات ليس فقط هدم لغتنا الأم بل لغة القرآن بهدف صرف الاهتمام عنها وتحويلها فقط للهجة محكية دارجة حتى تفقد قيمتها الثقافية والعلمية وتحل محلها لغة أجنبية باسم العولمة والتخاطب مع العالم, وهذه محاولات قديمة ومستمرة وستستمر طالما بقيت اللغة العربية صامدة قلعة لهويتنا الدينية والثقافية والقومية التي يراد لها أن تذاب في هوية عالمية تسود فيها ثقافة الغالب وأيضا باسم العولمة, وفي هذا قال الأديب العلامة الراحل عباس محمود العقاد إن اللغة العربية "تعرضت وحدها من بين لغات العالم لكل ما ينصب عليها من معاول الهدم ويحيط بها من دسائس الراصدين لها لأنها قوام فكرة ثقافية وعلاقة تاريخية".

نعرف أن اللغة الإنجليزية هي لغة عالمية, من ناحية الانتشار وليس القيمة اللغوية, وأن تعلمها بات ضرورة في عصرنا الحالي, ولكن هناك فرق بين تعلمها كلغة ثانية وبين تعلمها لتحل محل لغتنا الأم كما هو ظاهر اليوم بكل أسف في تسلل واتساع استخدمها بين ظهرانينا وكأن ليس لدينا لغة قوية وقادرة على تلبية احتياجاتنا اللغوية, وهذا واضح مثلا في هذه اللغة الهجين المخلطة بكلمات عربية وإنجليزية التي يستخدمها كثيرون في أحاديثهم الدارجة على المستوى الفردي, وفي انتشار استخدام الأسماء الإنجليزية لكثير من محالنا وأسواقنا التجارية من غير الأسماء العالمية الشهيرة على المستوى العام, فليس مفهوما مثلا قيام بعض رجال الأعمال والتجار باختيار اللفظ الإنجليزي اسما ويكتب باللغة العربية في تشويه وتدمير لقواعد لغتنا العربية كأسماء معظم أسواقنا حين تكتب باللغة العربية هكذا "كذا ... مول" بدلا من "سوق .... كذا" وكأن كلمة "سوق" العربية الفصحى لا تغني عن مقابلها الإنجليزي أو أنها أقل جذبا تسويقيا باعتبارها في ظنهم لفظا "بلديا" لا يتوافق مع فخامة أسواقهم .. !! , إضافة إلى ما في ذلك من خطأ لغوي فادح حين يقدم الموصوف على الصفة بحيث لم يعد يكتفى بالكلمات الإنجليزية بل حتى بقواعدها اللغوية, وهذا لعمري مظهر من مظاهر محاربة لغتنا العربية وجزء من محاولة هدمها وإضعافها بتهميشها إلى هذا الحد, وتزداد الطامة كبرا والطين بللا ونحن نشاهد لجوء كل من يفتتح محلا تجاريا خصوصا في المجمعات التجارية الكبرى إلى اختيار اسم أجنبي لمحله, والأخطر في ذلك هو نقل هذا الاسم كما هو في اللفظ الأجنبي بالحروف العربية, وخذوا على ذلك مثلا محل يتاجر في الأزياء النسائية كتب اسمه بالحروف العربية "ليدي فاشون" مستنكفا استخدام الاسم العربي المقابل وهو "أزياء السيدة", وأدخلوا مثل هذه المجمعات بالتحديد وسوف تصدمون بمثل هذه الأسماء الأجنبية التي انتشرت كالنار في هشيم لغتنا العربية الخالدة حتى على الدكاكين الصغيرة إلا ما ندر, وهذه ظاهرة ليست جديدة علينا, فقبل أكثر من 20 سنة وفي أواخر سنوات الطفرة انتشرت الأسماء غير العربية لمختلف المحال التجارية, إلا أن الجهات المسؤولة آنذاك وأظنها البلدية قبل أن تصبح أمانة أصدرت قرارا حازما وطبق فعلا بإلغاء تلك الأسماء الأجنبية واختيار مقابلها العربي, ومعظم من لا يزال "نشازا" في السوق باسمه العربي هو من بقايا تلك الفترة التي أصبح اسمه العربي علامة تجارية حتى في أفخم الأسواق وأكبرها.

حقيقة يجب ألا نستهين بالأمر ونراه جزءا من التطور والعصرنة وحتى العولمة, لأن القضية ذات بعد خطير حين تزوي لغة بحجم وتاريخ وقيمة اللغة العربية وما تمثله من بعد ديني وثقافي لأمة كاملة وفي عقر دارها لتحل محلها لغة أخرى دخيلة, فاللغة الإنجليزية محلها الجامعات والمدارس وما يحتاج إليها فيه, ولكن ليس في أسماء أسواق ودكاكين أو دردشة وسوالف عابرة, ويكفي لغتنا العربية شهادة معاصرة ومهمة فيما ذكره عمدة مدينة لندن في الحفل الذي أقامه لخادم الحرمين الشريفين الأسبوع الماضي حين أشاد بفضل اللغة العربية على العالم حين نقلت حضارة وعلوم العرب والمسلمين, والمحزن أن هذه الشهادة تأتي في زمن نسعى فيه نحن أبناء الضاد إلى إهمالها, وجوابا على تساؤل الأستاذ العمار أقول نعم لغتنا العربية تواجه حربا اليوم كما واجهتها في السابق, إلا أن لغة القرآن الكريم الذي تعهد سبحانه وتعالى بحفظه ستظل حية إلى أبد الآبدين.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير